غسان برنجي
لم يكن قرار إطلاق مركز «ميكساجون» قرارًا تقنيًا، ولا إعلانًا عن مشروع بنية تحتية جديد، بل كان لحظة سياسية وإدارية بامتياز. لحظة تقول فيها الدولة السعودية الحديثة إنها انتقلت من إدارة التقنية إلى امتلاكها، ومن استخدام البيانات إلى بناء السيادة عليها، ومن رقمنة الخدمات إلى صناعة القرار الرقمي من الداخل.
في هذا السياق، لا يمكن قراءة «ميكساجون» بوصفه مركز بيانات، بل بوصفه عقلًا رقميًا يُضاف إلى منظومة الحكم.
القرارات الكبرى لا تُقاس بحجمها الظاهر، بل بما تغيّره في العمق. ومشروع «ميكساجون» ينتمي إلى هذا النوع من القرارات التي لا تكتفي بتحسين الأداء، بل تعيد تعريف طريقة العمل نفسها. فالدولة التي تمتلك القدرة الحسابية الفائقة، وتدير بياناتها الحساسة داخل بنيتها السيادية، وتُشغّل نماذج الذكاء الاصطناعي وفق أولوياتها الوطنية، هي دولة نقلت مركز الثقل من الخارج إلى الداخل، ومن التبعية إلى الاستقلال.
على مدى سنوات، كانت البيانات تُعامل بوصفها مخرجات تشغيلية تُستخدم بعد وقوع الحدث، اليوم، تغيّر هذا الفهم جذريًا. البيانات أصبحت وقود القرار، ومادة التنبؤ، وأداة التخطيط المسبق.
ومن هنا جاءت فكرة «ميكساجون» بوصفه منصة وطنية للحوسبة الفائقة، قادرة على معالجة كميات هائلة من البيانات في الزمن الحقيقي، وتشغيل نماذج معقّدة تدعم القرار في الصحة، والطاقة، والنقل، والأمن، والاقتصاد.
ما يميّز هذا المشروع أنه لم يولد معزولًا عن السياق، بل جاء نتيجة تراكم مؤسسي طويل. المملكة لم تقفز إلى الحوسبة الفائقة دون إعداد، بل بنت قبلها منظومة حوكمة رقمية متماسكة، ووحّدت الهوية الرقمية، وربطت الجهات الحكومية، ورفعت نضج الخدمات الرقمية، ثم انتقلت إلى المرحلة الأعمق: من أين يُصنع القرار؟ وعلى أي أساس يُبنى؟
في «ميكساجون»، لا تُعالج البيانات فقط، بل تُحوّل إلى معرفة.
المعرفة هنا ليست تقارير تُقرأ بعد فوات الأوان، بل نماذج تنبؤية تُحاكي المستقبل قبل وقوعه. حين تُحلَّل أنماط الحركة المرورية، لا يكون الهدف وصف الازدحام، بل منعه. وحين تُقرأ بيانات الصحة، لا يكون الهدف تسجيل الحالات، بل التنبؤ بالمخاطر. وحين تُدار بيانات الطاقة، لا يكون الهدف القياس فقط، بل تحقيق الكفاءة القصوى.
هذا التحول هو ما يجعل «ميكساجون» قلب القرار الرقمي. لأن القرار لم يعد رد فعل، بل عملية مستمرة تُبنى على تحليل لحظي، وقدرة حسابية عالية، وبيانات موثوقة تُدار داخل السيادة الوطنية. في عالم تُدار فيه السياسات بالبيانات، يصبح موقع معالجة البيانات قرارًا سياديًا لا يقل أهمية عن موقع صنع القرار نفسه.
اقتصاديًا، يفتح المركز أفقًا جديدًا. فالدول التي تمتلك الحوسبة الفائقة لا تجذب الاستثمارات التقليدية فقط، بل تجذب الاقتصاد المعرفي. شركات الذكاء الاصطناعي، ومراكز البحث والتطوير، والجامعات المتقدمة، تبحث عن بيئة تمتلك القدرة الحسابية، والحوكمة، والاستقرار، ومع «ميكساجون»، ترسل المملكة رسالة واضحة: البنية جاهزة، والقرار موجود، والمستقبل يُبنى هنا.
أما على مستوى الإدارة الحكومية، فإن أثر المشروع يتجاوز الدعم التقني؛ فحين تصبح القدرة على التحليل العميق متاحة، تتغير طريقة صياغة السياسات، وتتبدل آليات التقييم، ويصبح قياس الأثر أكثر دقة. لا تعود الخطط تُبنى على متوسطات عامة، بل على سيناريوهات دقيقة، ولا تُراجع السياسات بعد سنوات، بل تُعدّل أثناء التنفيذ.
الأمن السيبراني وحماية الخصوصية يحتلان موقعًا محوريًا في هذا المشروع؛ فامتلاك القدرة لا يعني فقط السرعة، بل السيطرة. السيطرة على الوصول، وعلى التخزين، وعلى التشغيل. في زمن تتزايد فيه المخاطر الرقمية، يصبح وجود بنية وطنية لمعالجة البيانات الحساسة عنصر طمأنينة للدولة والمجتمع معًا.
ولا يمكن فصل «ميكساجون» عن مسار رؤية 2030. الرؤية منذ انطلاقتها لم تكن قائمة على المشاريع السطحية، بل على بناء طبقات عميقة من التمكين المؤسسي.
وكلما تقدّمت الرؤية، أصبح واضحًا أن المرحلة التالية لا تتعلق بالخدمات فقط، بل بالعقل الذي يديرها. و«ميكساجون» هو أحد أبرز تجليات هذه المرحلة.
في الدولة السعودية الحديثة، لم تعد التقنية واجهة، بل بنية حكم. ولم تعد البيانات أرقامًا، بل سيادة. ولم يعد الذكاء الاصطناعي تجربة، بل أداة قرار. هذا التحول لم يأتِ فجأة، بل نتيجة اختيار واعٍ بأن المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع.
حين يُذكر «ميكساجون» بعد سنوات، لن يُذكر بوصفه مشروعًا تقنيًا ضخمًا، بل بوصفه نقطة انتقال. النقطة التي قررت فيها الدولة أن يكون قلب قرارها الرقمي نابضًا من الداخل، وأن تُدار سياساتها بعقل رقمي سيادي، وأن تُبنى ثقتها على القدرة لا على الاعتماد.
وهنا بالضبط تتضح أهمية المشروع. فليس كل مركز بيانات يصنع قرارًا، وليس كل تحول رقمي يصنع ريادة. لكن حين تمتلك الدولة عقلها الرقمي، تصبح قراراتها أدق، وسيادتها أمتن، ومستقبلها أوضح.
وهذا ما يمثله «ميكساجون» في الدولة السعودية الحديثة.