د. أماني عبدالله باهديلة
جاءت فعالية العام الثقافي السعودي-الصيني 2025، التي حملت شعار «من أسوار الشرق إلى صحارى الوطن»، لتقدّم تجربة ثقافية ثرية تعكس عمق التلاقي الحضاري بين المملكة العربية السعودية وجمهورية الصين الشعبية.
يحمل هذا الشعار دلالة رمزية عميقة؛ إذ ترمز «أسوار الشرق» إلى الحضارة الصينية العريقة بما تحمله من تاريخ ممتد وفنون وفلسفات متجذّرة، بينما تعبّر «صحارى الوطن» عن الهوية السعودية الأصيلة المستمدة من الإرث الثقافي والتقاليد المتوارثة. وقد نجحت الفعالية في الجمع بين هذين الامتدادين الحضاريين ضمن مشهد ثقافي متكامل، أتاح للزائر الانتقال بسلاسة بين ثقافتين عريقتين.
تنوّعت أركان الفعالية بين عروض فنية حيّة، ومعارض تراثية، ومجسّمات تعكس العمارة التقليدية في البلدين، إضافة إلى عروض موسيقية وفلكلورية وفنون يدوية، شكّلت جميعها تجربة تفاعلية ثرية أبرزت خصوصية كل ثقافة وروحها الإبداعية.
ومن أبرز الفقرات الترفيهية رقصة التنين، والتي تُعد من أهم الرموز في الثقافة الصينية، حيث تمثّل القوة والحكمة والطاقة الإيجابية. ويجسّد التنين في رمزيته مزيجًا فريدًا من عدد من الحيوانات، إذ يمتلك قرون غزال، ومخالب نسر، وجسم أفعى، في دلالة على الجسارة والحكمه والقوة. وتُعد رقصة التنين تقليدًا أصيلًا لدى الشعب الصيني في احتفالاته ومناسباته الكبرى.
اكثر تعليقات الزوار كانت على الفنانين العارضين القادمين من الصين، فقد أظهروا إتقانًا مميزًا لكتابة اللغة العربية بعدة خطوط أصيلة، من بينها خط النسخ، والرقعة، والمحقق، والثلث. وأسهموا في تفاعل مباشر مع الزوّار من خلال كتابة أسماء الزائرين على مراوح يدوية صينيه وزعت مجانا بدعم من وزارة الثقافة، كتب عليها الاسم بالخط الصيني من جهة وبالخط العربي من الجهة الأخرى. إضافة إلى ذلك، قام بعض الفنانين الصينيين مثل الفنان محمد يوسف «Chen Kun» بكتابة لوحات تتضمّن حكمًا صينية مترجمة إلى اللغة العربية باستخدام خطوط عربية عريقة مثل الخط الديواني، والثلث، والمحقق.
وشارك في الفعالية عدد من الفنانين الخطاطين المحترفين في رسم لوحات مخطوطة بالفن الكوفي الهندسي، حيث أبدع الفنان أيمن حافظ في تقديم أعمال متميزة تضمّنت آيات قرآنية منظومة بأسلوب هندسي كوفي دقيق.
وقد تم تعليق هذه اللوحات لتفسيرها للزوّار من قبل المنظمين، ما أتاح للزوّار الاستمتاع بروعة اللوحات وفهم المعاني الرمزية المرتبطة بها.
وبرزت كذلك نوعية المشاركين من المتخصصين في الفنون والثقافة، حيث تميّز عدد منهم بإتقان اللغة العربية بطلاقة، ما سهّل التواصل مع الزوّار من المواطنين والمقيمين، واتّسموا برحابة الصدر، وحسن الاستقبال، والابتسامة اللطيفة، مقدّمين صورة مشرّفة عن الشعب الصيني وقيمه الإنسانية.
وتأتي هذه الفعالية ضمن إطار العام الثقافي السعودي-الصيني 2025، الذي يجسّد توجّه المملكة نحو تعزيز الدبلوماسية الثقافية بما ينسجم مع رؤية السعودية 2030.
ختامًا، فإن «من أسوار الشرق إلى صحارى الوطن» لم تكن مجرد فعالية ثقافية، بل رحلة حضارية وإنسانية أكدت أن التنوّع الثقافي مصدر ثراء، وأن التلاقي بين الحضارات هو أساس مستقبل أكثر تفاهمًا وتعاونًا بين الأمم.
** **
- جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن