د. محمد بن أحمد غروي
سعت دول جنوب شرق آسيا إلى مواجهة الأفكار المتطرفة والتعاليم المتشددة التي من شأنها أن تدفع الأفراد من مختلف الأديان إلى تبني سياسات ومعتقدات عنيفة يمكنها أن تهدد المجتمع وأمنه. ولعلنا نذكر هنا بعض المواقف الحكومية والمنظمات غير الربحية ذات العلاقة في دعم الوسطية محلياً ودولياً ودحض التطرف وفكره من خلال آليات وبرامج. فقد عملت حكومات آسيان بشكل ممنهج وفق خطط أمنية وثقافية وفكرية لتعزيز التعاليم الدينية الوسطية، وهو نهج اتخذته تلك الدول كصمام أمان لمجتمعات تختلف فيها الأعراق والأديان ضمن السعي الحثيث للتصدي للأفكار المتشددة وما ينتج عنها من نشاطات إرهابية ومتطرفة.
فقبل أيام أعلنت الشرطة الماليزية مراقبتها عن كثب الجماعات ذات الفكر المنحرف داخل البلاد لمنع انتشار أفكارها وتحولها إلى أيديولوجيات متطرفة قد تهدد السلامة العامة والأمن القومي، حيث أكدت الشرطة الملكية الماليزية أن الأمر بالغ الأهمية لمنع تطور تلك الأفكار إلى تهديدات متطرفة تؤدي في نهاية المطاف إلى أنشطة إرهابية أو متشددة.
قبل ذلك أكد رئيس الوزراء الماليزي، أنور إبراهيم، في مناسبات عدة على تمسك بلاده بتعزيز نشر الإسلام القائم على الاعتدال والتسامح والوئام من خلال التعليم والدعوة والتعاون الدولي، لتجنب دعاة العنف ومن يعتبرون المخالفين في الآراء كفارًا. وزارة الشؤون الدينية الماليزية، كذلك، بيَّنت أن خطب الجمعة تُستخدم كوسيلة لتذكير المسلمين بضرورة الالتزام بالاعتدال والسلام والوحدة، والتعامل بحكمة مع الاختلافات الفكرية. وتعمل الحكومة على تنفيذ برامج دعوية وتعليمية لتعزيز الفهم الإسلامي الصحيح، من خلال جلسات التفسير ودراسة الحديث، وحلقات التوعية في المساجد، والمنتديات الدينية، ومجالس علم ماليزيا مدني وغيرها، في إطار جهود وإجراءات الحكومة الماليزية لتعزيز نهج أهل السنة والجماعة القائم على الاعتدال وتقليل الانقسامات بين المسلمين.
إندونيسيا التي تحظى باهتمام كبير في مجال الاعتدال الديني، ترى في الوسطية حلاً لمعالجة المشكلات الدينية والحضارية على نطاق عالمي. وقد بُنيت إندونيسيا منذ نشأتها الحديثة على مبدأ يعزِّز الوئام بين الأديان المكونة للأرخبيل الذي يمتلك أكبر عدد من السكان المسلمين في العالم. وتتضمن مبادئ «بانكاسيلا» في الدستور الإندونيسي ركائز دعم الاعتدال الديني وحرية الأديان، وهي الإيمان في الوصية الأولى، والإنسانية في الوصية الثانية، والوحدة في الوصية الثالثة، والتعاون في الوصية الرابعة، والعدل في الوصية الخامسة كغاية نهائية للأمة والدولة. وتعزِّز مبادئ «بانكاسيلا» الطمأنينة والانسجام بين أتباع الديانات المختلفة داخل إندونيسيا، وتمثِّل هذه الركيزة أحد العوامل الجوهرية للحفاظ على وحدة البلاد ومنع مظاهر التفكك، وترسيخ هدف الدولة في بناء مجتمع عادل ومزدهر.
سياسات إندونيسيا الداعمة للوسطية والانسجام بين الأديان تحظى بتقدير عالمي وإسلامي بارز، ففي عام 2024 وخلال زيارة الشيخ الدكتور أحمد بن علي الحذيفي، إمام المسجد النبوي الشريف، أشاد بالاعتدال الديني وقيم الإسلام المتسامحة والمعتدلة في إندونيسيا، كما ذكر قمر الدين أمين، المدير العام للإرشاد الإسلامي بوزارة الشؤون الدينية، بأن القيم الإسلامية المتسامحة والمعتدلة التي يتبناها الشيخ أحمد تتماشى مع جهود الحكومة لتعزيز الاعتدال الديني في جميع مناحي الحياة.
تحاول إندونيسيا جاهدة تعزيز التعاليم الوسطية التي تتفق مع مبادئها الدستورية، لتجنب الفكر المتطرف الذي قد يعصف بالوئام الذي تُعرف به البلاد والتعريف بها أنموذجاً للتعايش الديني بين مختلف الأديان. فيرى وزير الشؤون الدينية الإندونيسي نصر الدين عمر أن مستقبل البشرية لا يمكن بناؤه على صراعات تستنزف الإنسان، بل على الأخوّة الإنسانية واحترام الكرامة والتعاون الروحي بين المجتمعات المؤمنة. كما يرى أن تحديات مثل خطاب الكراهية والانقسام المجتمعي وخطر التفكك الوطني، لا يمكن مواجهتها إلا بالضمير الحي والأخلاق الراسخة، والالتزام بالقيم الإنسانية المشتركة.
المجتمع الدولي ينظر إلى إندونيسيا باعتبارها منارة للتعايش، بعد استعراض تجربتها في إدارة التنوع، خصوصًا في بلد يضم 1340 عرقًا ومئات اللغات المحلية، مع حفاظه على استقرار اجتماعي راسخ. والجمعيات المليونية في إندونيسيا، قامت بدور هام في نشر الاعتدال الإسلامي كجهد وقائي لمنع التطرف والإرهاب في إندونيسيا.
في سنغافورة، تشكل المجلس الرئاسي للوئام العرقي والديني، إلى جانب المجلس الرئاسي لحقوق الأقليات، باعتباره أداة رئيسيةً للدولة لحماية وتعزيز الوئام العرقي والديني في سنغافورة وتعزيز الاعتدال الديني، ومكافحة الأفكار المتطرفة ونتائجها وتوابعها، كما سنَّت قانون صيانة الوئام الديني لمنع التوترات والصراعات الدينية الناجمة عن الأعمال غير اللائقة والاستفزازية، ولتعزيز التفاهم والاعتدال والتسامح والاحترام للأديان.
تمثِّل التعاليم المنحرفة والأفكار المتطرفة مشكلة قد تهدد النسيج الاجتماعي لدول جنوب شرق آسيا التي تُعرف بتنوعها الديني، لذا اهتمت دول الأرخبيل بتشجيع وترسيخ التعاليم الوسطية والنهج المعتدل للأديان باعتبارها الطريقة المُثلى للتصدي لهذه الأفكار التي من الممكن أن تُنتج سلوكيات عنيفة أو أنشطة إرهابية خطيرة.