م.عبدالمحسن بن عبدالله الماضي
المجتمعات الشرقية انطفأت حضاراتها العتيقة فنامت لقرون وبقيت بعيدة عن الثورات المعرفية التي اجتاحت المجتمعات الغربية.. تلك الثورات المعرفية التي قلبت إنسان الكرة الأرضية الغربي ووضعته على قضبان القطار السريع المتجه للمستقبل، وأبقت إنسان الكرة الأرضية الشرقي الذي رفض ركوب القطار والمشاركة في تشغيله في مكانه يعيش غيبيات وخرافات وأساطير الماضي ويجترها كأمور مقدسة لا تُمَس.
المجتمعات الشرقية لم تبلغ النضج المعرفي الذي يجعلها تستوعب الحداثة التي أحدثتها الثورة المعرفية، لأنها لم تستوعب فلسفتها وجدلياتها التي أوصلت المجتمعات الغربية إلى تلك الحداثة.. وهذا أعاقها عن وعي المسارات الفكرية الحديثة وجعلها فقط تتقبلها كسلع سواء التيارات الفكرية أو المنتجات الاستهلاكية، كلها تتعامل معها من ذات المنطق وهو الاستفادة الفورية المحدودة بإطار الاستفادة، لكنها لا تمس الفهم العميق أو التأثير على اتجاهات التفكير أو السلوكيات العامة أو العادات والتقاليد.
تَلَقِّي الحداثة الذي يفتقر إلى الفهم العميق نتيجة عدم المرور بالتجربة التي أوصلت المجتمعات الغربية إلى الحداثة، وعدم المرور بمرحلة التنوير الصادر من المجتمعات ذاتها، بل تلقته من الخارج، جعل المجتمعات الشرقية مرآة عاكسة للحداثة ليس إلا، بكل ما تعنيه من سطحية وعجز في المَلَكَة النقدية وقصور في التفكير النقدي.. ولعل أبلغ أنموذج لذلك العجز أن المثقف أو المفكر الشرقي لا ينطلق من الشك كسلاح للوصول للمعرفة كما يفعل المفكر الغربي، بل ينطلق من يقينيات ومُسَلَّمات قطعية.
المفكر الشرقي لا يضع نفسه فوق العامة ويبحث عن التحرّر من الموروث القديم، بل هو في انصياع تام لما يؤمن به العامة وتوارثه من الأجداد، مع يقين جاد بأن هذه هي الحقيقة التي لا ريب فيها.. هذا إضافة إلى فقده للحس النقدي، كما أن لديهم حساسية شديدة تجاه النقد مع جاهزية تامة لإصدار الأحكام الجاهزة سلفاً ضد الآخرين (أشخاص وأفكار) حتى في صياغاتها اللفظية.. وهذا خلق مساحة شاسعة من الفراغ أو الفجوة المعرفية، أو لنَقُل الانقطاع المعرفي الذي يتم وصله بأقوال وتأويلات غير قابلة للجدل.
وبقدر أحجام مثقفي الشرق ومفكريه عن نقد المسَلَّمات والعادات والتقاليد وكل موروث، نجد أن مثقفي الغرب ومفكريه لديهم إفراط شديد في نقد كل ذلك، فليس لديهم مقدس.. وبقدر ما أن ذلك الإفراط مربك للعموم، إلا أنه نافع في نمو مناعتهم ضد أمراض الأفكار والمذاهب الفكرية فلا ينساقون لها بتلقائية الأعمى.. مع الاعتراف بأن ذلك الإفراط الشديد في النقد خلق مثقفين غوغائيين دنسوا كل مقدس وتجاوزا كل حدود، إلا أن هناك مثقفين ومفكرين مُعْتَبَرين استطاعوا الوصول إلى اختراقات فكرية عظيمة خَطَت بالفكر الإنساني خطوات إلى الأمام.
الحقيقة المؤسفة هي أن المفكر الشرقي هو مُنَظِّر في الدرجة الأولى بوعي قاصر وفهم خاطئ، لكنه يغطي على ذلك التنظير غير المتزن بالادعاء بأنه تأويل لأوامر دينية واستجابة لإرادة قَدَرِية.