فيصل بن عبد الله بن محمد آل سعود
2009م كان عام ارتباطي بمكتب التربية العربي لدول الخليج، في رحلة ثرية ومثرية تخللتها محطات قربتنا وجمعتنا أبناء الخليج، قربتنا كأبناء مجتمع واحد، وجمعتنا كمسؤولي رسالة سامية أساسها العلم والتعلم.
ارتباطي عندما كنت أعمل بوزارة التربية والتعليم بالمملكة العربية السعودية بهذه المؤسسة العريقة التي تحتفي بمرور خمسين عاماً من الريادة التربوية، بمسيرة لم تكن يوماً مجرد عمل مؤسسي عابر، بل كانت تجسيداً حقيقياً لوحدة المصير، وإيماناً راسخاً بأن الاستثمار الأعلى لدولنا هو (الإنسان).
وفي هذه المناسبة الغالية، يسعدني أن أهنئ الدول الأعضاء وكافة المنسوبين لهذا الصرح العريق على ما تحقق من إنجازات تعليمية وتربوية رائدة جعلت من المكتب بيت الخبرة الأول في المنطقة.
لقد تشرفتُ بمواكبة مسيرة المكتب، وكان توجيهنا دائماً بأن ينتقل المكتب من دور التنسيق التقليدي إلى الدور الاستراتيجي المؤثر. وفي هذا السياق، حرصنا على تعزيز مكانة المكتب كمنصة دولية تمثل (صوتنا الجمعي) أمام المنظمات العالمية. عملنا على توثيق التنسيق مع منظمة اليونسكو (UNESCO)، لضمان حضور فاعل للمكتب في صياغة الأجندات التعليمية الدولية، ونقل التجربة الخليجية الثرية إلى العالم، وبناء شراكات تقنية وعلمية تضع أنظمتنا التعليمية في مصاف الدول المتقدمة، مع الحفاظ على خصوصيتنا الثقافية وقيمنا الأصيلة.
لقد كان للإشراف المباشر والمتابعة الحثيثة لصياغة إستراتيجية المكتب (2015-2020) أثر بالغ في استجابة المنظومة لمتطلبات القرن الحادي والعشرين. هدفت هذه الإستراتيجية إلى الارتقاء بجودة التعليم بما يليق بتطلعات قادتنا وشعوبنا، مع التركيز على الابتكار المؤسسي الذي يجعل من المكتب مرجعاً استشارياً موثوقاً لصناع القرار التربوي في دول المجلس.
رؤيتنا للتعليم كانت دوماً تتجاوز حدود القاعة الدراسية؛ لذا عملنا على تعزيز حضور المكتب في المبادرات التي تبني الشخصية المتكاملة، ومن أبرزها:
- برنامج (رسل السلام) الذي سعينا من خلاله إلى تحويل المبادئ التربوية إلى ممارسة واقعية، ليكون الطالب الخليجي سفيراً للسلام والتسامح، ومنخرطاً بفاعلية في العمل التطوعي العالمي.
- ومشروع (افتح يا سمسم) الذي دعمنا عودته بحلة عصرية، إيماناً منا بأهمية (التعليم بالترفيه الهادف)، وتأصيل القيم والهوية العربية لدى أطفالنا في مراحلهم العمرية المبكرة.
لقد كان الهدف الدائم من خلال اللقاءات الوزارية التشاورية بين وزراء التربية، هو تذويب الفوارق ونقل التجارب الناجحة، لضمان تكامل المنظومة التعليمية الخليجية ومواجهتها للتحديات بصفٍّ واحد ورؤية مشتركة. إن قوة المكتب تكمن في قدرته على صهر الرؤى الوطنية في بوتقة واحدة تخدم الإنسان الخليجي أينما كان.
«إن ما وصل المكتب إليه اليوم هو ثمرة الجهود تواصلت عبر خمسة عقود، والتعليم سيظل المحرك الأول للتنمية المستدامة، فبقدر ما نزرع اليوم من قيم وابتكار في عقول أبنائنا، سنحصد غداً ازدهاراً واستقراراً لأوطاننا».
أرجو لمكتب التربية العربي لدول الخليج المزيد من التألق والنجاح في عقوده القادمة، ليظل دائماً منارة المعرفة التي تضيء دروب أجيالنا نحو مستقبل واعد ومشرق. ولا أنسى - بالرغم من مرور السنين- الصحبة الغالية والقيمة لأصحاب المعالي الوزراء، وأخصُّ هنا الصديق والزميل الدكتور عبد السلام الجوفي وزير التعليم اليمني الأسبق الذي ذكرني بهذه المناسبة وشاطرني أفكار هذا المقال.