أ.د. يحيى بن محمد شيخ أبو الخير
يسلك المنظور المنهجي إبان تحولاته من أزمة حتمية معرفية إلى أخرى مساقات فكرية ذات تراكيب انطولوجية متنوعة الهيئات كالنظرية والقانون والقاعدة والفرضية والمسلّمات العلمية وما شابه ذلك وانضاف إليه. كما قد يسلك المنظور المتأزم أحياناً مساقات تحتوي على تساؤلات ملحة تستعصي الإجابة عنها أو أجوبة عن تساؤلات تتعذَّر في الأغلب الأعم صياغتها نتيجة لقيود حدية معرفية ومجتمعية واقتصادية تتحكَّم من بعد في السمات المايكرو- نسقية الدقيقة للظواهر قيد النظر منهجياً. وقد يسلك المنظور أيضاً مساقات تفرضها في الأغلب الأعم تحولات بعض الوقائع المقيسة من كيانات مألوفة مفاهيمياً إلى غير مألوفة معرفياً مما يؤدي إلى حالة من التأزم المنهجي التي قد يتعذَّر حلها لردح من الزمن. وإضافة إلى ما سبق ذكره أعلاه، قد يحدث التحول مساقياً أيضاً نتيجة شكوك بعض المناهجة من أهل الاختصاص في مصداقية الاستنباطات المنهجية التعميمية ذات الصلة الوثيقة بالبنية المفاهيمية للمألوف المتحول معرفياً. وبناءً على ما سبق، قد تمر المعرفة المنهجية في مثل هذه الحالة بأزمة إجرائية حتمية يطول مداها أو يقصر وفقاً لمدى نجاح أو إخفاق الجهود المبذولة لحل تلك الأزمة واجتياز معضلاتها المنهجية المساقات. وما لم تُجتَزُّ هذه المعضلات من جذورها وتُسقَطُ العناصر غير المألوفة مفاهيمياً من قائمة الطيف الإدراكي والاشتقاق العقلي، فإن أزمات المنهج ستستمر مكونة صراعاً فكرياً مريراً بين العلماء والمفكرين الذين يتزعمون رسم خرائط مساقات التحولات المنهجية المعاصرة ويحددون الغايات المعرفية والمقاصد الفكرية العميقة لتلك التحولات. ورغبة في تقليص حدة ذلك الصراع، يسارع المنهجيون بدافع من الانتماء لهذا الحقل المعرفي وتأثير وقع الدهشة وردة الفعل وحب الاستطلاع وتعزيز الذات وسمو الأنا العلمية، الارتقاء إلى مراتب الابتكار أو الإبداع لاشتقاق أمثل الصيغ المنهجية التي تمكنهم من تطبيع العلاقة النسقية بين الأطياف المألوفة مفاهيمياً ونظائرها غير المألوفة معرفياً. ويحرص المناهجة من أهل الاختصاص في هذا المجال على أن تنسجم الصيغ، الآنفة الذكر، في هذه المرحلة تحديداً مع التحولات النسقية للمساقات المنهجية والمدركات الحسية والاشتقاقات العقلية والفلسفات المعيارية والأطر المرجعية المعتمدة في هذا المجال. ويعد الانسجام المعرفي المنوّه عنه آنفاً مقوماً أساسياً لا يُستهان به فيل أزمات الوقائع المقيسة وغير المقيسة ذات الصلة بمختلف مساقات التحولات النسقية لأزمات المنظور المنهجي قيد التطبيق. فإذا حُلََّت عقد هذه الأزمات يبدأ المختصون من المنهجيين وغيرهم في عبور جسر من جسور المعرفة المتعدِّدة معزِّزين بهذا العبور معرفتهم بالمألوف من الكينونات ومطورين أو موسعين في الآن نفسهً مجالات ذلك المألوف تاركين خلفهم إلى حين معاناة الكشف عن غير المألوف من الكيانات المقيسة وغير المقيسة بعدياً على حد سواء. وعند هذه النقطة في الزمان والمكان تدخل الأزمة المنهجية مرحلة ما بعد الأزمة بمنبثقات فكرية وإجرائية محدَّثَة تضم بعض شتات الماضي وحاضره وفق هيئات تتلاءم هيكلياً مع الجديد من الأطياف المألوفة معرفياً. وقد يضيف المناهجة تحديداً في هذه المرحلة إلى منظورهم المنهجي الجديد بطبيعة الحال ما انبثق عن الأزمة من مقومات التعزيز والتطوير والإلغاء والتوسيع المعرفي لقواعد المعلومات ذات الصلة بالمألوف وغير المألوف من كينونات الواقع المقيس منهجياً. كما قد يضيفون إلى مكونات منظورهم المنهجي الجديد حديات تنظيرية وتطبيقية يستجلبونها من قواعد المعلومات التابعة للمنظور القديم لتُضَخُّ في بنية المنظور المنهجي الجديد مكسبة إياه حيوية تلك الحديات وفاعليتها التنظيرية والتطبيقية الممكنة وسمو قيمها النوعية المضافة إجرائياً. وتعد هذه المرحلة تحديداً حالة انتقالية حدية هامة يتم فيها تجاوز المنهجيون الأزمة والاستعداد لعبور الجسر التالي في طريقهم نحو جسر معرفي آخر يخرجون بعد عبورهم له برؤية منهجية نسقية تختلف عن سابقتها وصفاً وتحليلاً. ونتيجة لنجاح ذلك العبور تتطور أدوات النظر وتترسخ التعميمات الاستقراء - استدلالية الراجعة التغذية الموحَّدة الحقول، بل تزداد زمكانياً درجات الثقة فيها وفي مساقات تحولاتها المنهجية النسقية.
وهكذا تظل الحالة في توازن منهجي مع المألوف إلى أن تظهر أزمة جديدة متوقعة أو مباغتة فيقرر أهل الاختصاص ارتقاء الأعتاب الأولى لجسر جديد من جسور مساقات المنظور المنهجي بحثاً عن الحلول لتلك الأزمة المحتومة. وعن طريق توالي الأزمات وتتابع العبور لتلك الجسور تتبلور الحلول التي تسمو بسببها آفاق المعرفة وتتوسع مجالاتها، وتنمو أبعادها، وتتعدد أنماطها، وتأتلف مساقات تطبيقاتها المنهجية. ويأمل المناهجة وذوو الاهتمام في هذه المرحلة من رحلتهم المنهجية الحدية الثورية الحرجة الشاقة أن يحطوا رحالهم في أجواء أفياء ظلال منظورهم المنهجي الجديد ليرتاحوا برهة من الزمن ويستمتعوا بأجواء تلك الظلال، ولكن هيهات أن يتحقق هذا الأمر فسرعان ما يتبدد الأمل كما تبدد عدة مرات من قبل. ونتيجة لذلك يحرص المنهجيون في هذه المرحلة الحرجة على بذل أقصى الجهود الممكنة لتجاوز الأزمة التي حلَّت بمنظورهم المنهجي ضمن نطاقيه المعرفي والزمكاني إن أمكن. وعندما يعجزون في تحقيق ذلك الممكن يرحلون نحو أعتاب جسر آخر باحثين عن منظور منهجي بديل يخفف عنهم إلى حينٍ عبء الأزمة ويقلِّص مدى الإلحاح المعرفي للتحولات المنهجية المتأزمة المتنوِّعة المساقات مفاهيمياً. وقد يعمد المنهجيون نتيجة لهذه التحولات إلى تبديل أدوات نظرهم وخطوات تحققهم وتثبتهم من المألوفات ذات الصلة الوثيقة بالوقائع المقيسة مؤملين أن ينبثق عن ذلك التحقق والتثبت منظور مغاير يُمَكِّنُهم من اجتياز أزمته السابقة بكل ظروفها وأبعادها وأنماطها الآنية والمستقبلية المتوقعة أو المباغتة على حد سواء. وهكذا تتكرر دورة المناظير الواحدة تلو الأخرى دون ما توقف وتنبثق أداة نظر بعد الأخرى مقترنة بأدوات الماضي واسترداد الخبرات والتجارب في نمط استرجاعي تغذوي نسقي مرموق ما كان من الممكن أن يوضع موضع التنفيذ في غياب ومضات الفكر وسوانح الثورة المعرفية والتقنية التي يشهدها عالمنا المعاصر. ويؤكد هذا المنظور الحيوي المُجَدِّدِ لأبعاد العلاقة الترابطية التساهمية بين الوقائع وطرق التفكير أن أزمة العلوم هي في الواقع أزمة تكمن فيما وراء المنهج أي في المدخلات والمخرجات وليس في منطلقات المنهج أو في خطواته وطرقه وأدواته المختلفة.
ولعله من المهم الإشارة في ختام هذا المقال إلى أن الأزمة المتعلِّقة بمدخلات المنهج قد تُتبَعُ عادة بأزمة أخرى تتمحور حول التعميمات التي تقتضيها أساليب النظر المستخدمة أو ما يُعرف بمخرجات المنهج تحديداً.
ومن الجدير بالذكر التنويه هنا أيضاً إلى أن المخرجات المشار إليها آنفاً قد تتحوّل في بعض الأحيان إلى مدخلات يقتضيها التطبيق الإجرائي لخطوات المنهج الاستقرائي كالتعريف والتصنيف والتبويب والقياس أو الفرضية التي تقتضي أنماطاً من الاختبارات الراجعة التغذية التي تجمع استدلالياً بين الأنموذج الأولي والأنموذج النهائي على حد سواء. ومن المتوقَّع أن تفرز هذه المرحلة الأخيرة من مساقات التحولات المنهجية المحتملة تعميمات تنظيرية تصف الظواهر ولا تفسرها وتقنن لها ولا تنمذج مستويات الانتقال بها من الخاص إلى العام أو من الكل إلى الجزء أو العكس أو قل من الاستقراء إلى الاستدلال تحقيقاً لبناء حقل منهجي استقراء- استدلالي نسقي استرجاعي موحَّد غير متأزم إجرائياً.