خالد بن عبدالرحمن الذييب
في كثير من الأحيان يميل البشر إلى محاولة استنساخ لحظات الماضي؛ فتجد أحدهم يسافر لمدينة زارها من قبل، أو يعود لمقاعد دراسة غادرها منذ سنين، باحثاً في زوايا المكان عن صدى لذكريات قديمة، أو رغبةً في استعادة رفقةٍ تلاشت مع الأيام.
ورغم تقديري لهذه المشاعر الإنسانية عند البعض، إلا أنني أتبنى فلسفة مختلفة ترفض «التكرار». فالعمر، مهما امتد، يظل قصيراً أمام اتساع الكون وتعدد التجارب. والذكريات في جوهرها، مكانها الطبيعي «الذاكرة» لا «الواقع»، سواء كانت مبهجة أو مؤلمة. من الجميل أن نحكي عنها، أن نستحضر دروسها المستفادة، أو حتى أن نضحك بـ «كوميديا سوداء» على عثرات قديمة تثير تعجبّنا كيف كنا نحزن عليها يوماً ما! أما تلك الذكريات التي تثقل الروح، فالأجمل هو بترها تماماً من سجلات الشعور كأنها لم تكن، فكما يقول الفيلسوف اليوناني هيراكليتوس: «لا يمكنك الاستحمام في النهر مرتين»؛ لأن مياهه تتجدد وأنت تتغير أيضاً في كل لحظة.
إن الشغف بالتجديد ليس مجرد هروب من الماضي، بل هو إدراك عميق بأن «الذات» تتطور، وما كان يسعدنا بالأمس قد لا يكفينا اليوم. إن إعادة التجارب القديمة غالباً ما تصدمنا بحقيقة أن الأماكن لا تتغير، لكننا نحن الذين لم نعد كما كنا. لذا، فإن استثمار الوقت في اكتشاف «مجهول» هو الذي يمنح الحياة معناها الحقيقي، ويجعل من رحلتنا سلسلة من التجارب المتغيرة لا مجرد صدى لصوت قديم.
الحياة في جوهرها حراك مستمر، وصراع مع زمن لا يمنحنا أكثر من «عشر عشرات» من السنين في أحسن الأحوال زادت أو نقصت قليلاً، هذا الوقت أثمن من أن نُضيعه في إعادة تدوير التجارب، وكما قيل:
ما مَضى فاتَ وَالمُؤَمَّلُ غَيبٌ
وَلَكَ الساعَةُ الَّتي أَنتَ فيها
فانطلق إلى الأمام دائماً ولا تلتفت للوراء؛ فمن أدمن الالتفات للخلف، تعثر بما هو أمامه وفقد بوصلته. ما تركته خلفك لم يعد يخصك، دعه يرحل بسلام ولا تجعل من «الأمس» سقفاً تقف عنده حياتك.
أخيراً ..
لا تقف على الماضي، بل اقتنص اللحظة الراهنة لإحداث ذكريات جديدة
ما بعد أخيراً..
الحياة أجمل من أن تُسجن في زنزانة الذاكرة.