سارة الشهري
هل تتخيل أن تفتح منصة إكس، تويتر سابقاً، في لحظة عادية من يومك، فتجد اسمك متصدراً للترند؟ لا لأنك كتبت رأياً جريئاً، ولا لأنك حققت إنجازاً، بل لأن صوراً منسوبة إليك، في أوضاع مختلفة، بعضها مهين وبعضها فاضح، تنتشر على المنصة بسرعة مخيفة. لحظة واحدة كفيلة بأن تقلب حياتك رأساً على عقب، وأن تحولك من مستخدم عادي إلى ضحية تشهير رقمي. هكذا تبدأ الكوابيس الرقمية في عصر الذكاء الاصطناعي.
ما حدث مؤخراً على منصة إكس لم يكن حالة فردية أو استثناء نادراً، بل ظاهرة متكررة عاشها كثير من المستخدمين، خصوصاً النساء. نساء استيقظن ليجدن صوراً لم يلتقطنها، وأجساداً ليست لهن، وقصصاً لم يعشنها، تُروى بأسمائهن أمام ملايين المتابعين. في لحظة، تتحول المنصة من مساحة للتعبير إلى ساحة لانتهاك الكرامة الإنسانية.
في قلب هذه العاصفة تقف أداة الذكاء الاصطناعي جروك (Grok) التي طورتها شركة xAI التابعة لإيلون ماسك، وبدأ ظهورها أواخر عام 2023، قبل أن يتوسع استخدامها خلال عام 2024 بعد دمجها مباشرة في منصة إكس. وُعد المستخدمون بأداة ذكية قادرة على الإجابة عن الأسئلة، وتحليل المحتوى، وتوليد النصوص، وحتى إنشاء الصور. بدا الأمر حينها تقدماً تقنياً مبشراً، لكن ما لم يحسب جيداً هو أن هذه القدرات الهائلة، حين تمنح بلا ضوابط أخلاقية صارمة، يمكن أن تتحول إلى سلاح خطير.
الإشكالية الكبرى بدأت مع مسألة الخصوصية. لم تعد الخصوصية مفهوماً نظرياً نتغنى به، بل أصبحت خط الدفاع الأخير عن كرامة الإنسان. بضغطة زر، يمكن تركيب وجه شخص حقيقي على جسد آخر، أو وضعه في مشهد لم يعشه، أو صناعة صورة تبدو واقعية إلى حد الصدمة. صورة واحدة كفيلة بأن تدمر سمعة بُنيت خلال سنوات، وأن تزرع الخوف والعار والقلق في نفس الضحية.
والأخطر أن هذه الانتهاكات لم تقتصر على المشاهير أو الشخصيات العامة، بل طالت مستخدمين عاديين، لا يملكون أدوات للدفاع عن أنفسهم رقمياً، كما طالت نساء بشكل خاص، عبر صور إباحية مزيفة، بل ووصل الأمر في بعض الحالات إلى استغلال صور أطفال وقاصرين، وهو ما يضعنا أمام جريمة أخلاقية وإنسانية قبل أن تكون تقنية.
الغضب العالمي كان حتمياً. منظمات حقوق الإنسان، وجمعيات حماية الطفل، وناشطو حقوق المرأة، وخبراء الأمن السيبراني، جميعهم رفعوا الصوت محذرين من خطورة ترك أدوات الذكاء الاصطناعي تعمل بلا رقابة صارمة. ووجهت أصابع الاتهام إلى منصة إكس بالتقصير في حماية مستخدميها، وفي وضع قيود واضحة على استخدام جروك، وفي منع إنتاج المحتوى المسيء، وفي الاستجابة السريعة لبلاغات الضحايا.
أما إيلون ماسك، فقد حاول احتواء الأزمة بتصريحات أكد فيها أن الشركة تعمل على تحسين أنظمة الأمان، وتشديد الرقابة على توليد الصور، ومنع المحتوى الجنسي غير الأخلاقي أو الاستغلالي، ومعالجة الثغرات التقنية. لكن كثيرين رأوا أن المشكلة أعمق من تحديثات برمجية، وأن الخلل يكمن في الفلسفة التي تُدار بها هذه الأدوات وهي حرية تقنية بلا مسؤولية أخلاقية.
السؤال اليوم لم يعد هل الذكاء الاصطناعي مفيد أم لا؟ بل كيف نضمن ألا يتحول إلى أداة لانتهاك الإنسان؟ الحل لا يكمن في إيقاف التكنولوجيا، بل في ترويضها. في سن تشريعات صارمة تجرّم صناعة الصور المزيفة ونشرها، وتعتبر استغلال صور النساء والأطفال جريمة لا تسقط بالتقادم. في إلزام المنصات الرقمية بتحمل مسؤوليتها الكاملة، عبر منع تقني حقيقي لإنشاء محتوى فاضح لأشخاص حقيقيين، وتطوير أنظمة ذكية لكشف الصور المزيفة، والاستجابة الفورية لشكاوى الضحايا.
كما أن الوعي الرقمي أصبح ضرورة لا ترفاً. على المستخدم أن يدرك أن صورته جزء من هويته، وأن بياناته ليست مادة مباحة، وأن الخصوصية خط الدفاع الأول عن كرامته. وفي الوقت ذاته، يجب أن يتحمل مطورو الذكاء الاصطناعي مسؤوليتهم الأخلاقية، فالتكنولوجيا التي لا تحمي الإنسان ليست تقدماً، بل تهديد متطور.
ولا يمكن تجاهل الضحايا في هذه المعادلة، فالدعم يجب أن يكون قانونياً لمحاسبة المعتدين، ونفسياً لأن الضرر لا يقف عند حدود الشاشة، بل يمتد إلى أعماق النفس، مخلفاً خوفاً وانكساراً قد يدومان طويلا.
ما يحدث اليوم على منصة إكس ليس حادثا عابرا، بل إنذار مبكر لعصر جديد، يمكن فيه لخوارزمية أن تصنع (حقيقة بديلة)، وأن تحول حياة إنسان إلى كابوس. نحن أمام مفترق طرق حقيقي إما أن نجعل الذكاء الاصطناعي جسراً للتقدم وحماية الكرامة الإنسانية، أو نتركه يتحول إلى مصنع مفتوح للكوابيس الرقمية.
ويبقى السؤال معلقاً فوق رؤوسنا جميعاً: هل سننجح في ضبط هذه القوة قبل أن تبتلع إنسانيتنا؟