العقيد م. محمد بن فراج الشهري
كنا نأمل ونتأمل أن تكون بداية هذا العام الميلادي الجديد انطلاقة للعدل والسلام، والتسامح، وانتهاء أعوام الحروب الدامية في كل دول العالم شرقها وغربها، شمالها وجنوبها، فإذا بنا نعود إلى البدايات، التي دمرت أغلب شعوب العالم وقسمتها دويلات، وكان لميليشيات التخريب الدور الأكبر خاصة في الوطن العربي الذي لم يهنأ بالراحة، ولا بالاستقرار في ظل حروب خفية، ومعلنة، وتدخلات أفسدت على الأمة تلاحمها وقربها من بعضها البعض، وظهر جلياً ما يكنه أعداء الأمتين العربية والإسلامية من عداء جعل الشك يضرب بأطنابه في أي عمل يراد منه توحد الصفوف ورفض ما يربك العلاقات، ويسعى لزرع الفتن والقلاقل بين الدول.. ولقد كان للكيان الصهيوني الحظ الأوفر في نشر الصراعات بين الدول العربية وغير العربية من الدول التي ترفض السياسة الإسرائيلية بشكل مجمل إلا أنها وفي ظل ما تحظى به من دعم أمريكي استطاعت أن تحدث فوضى سياسية وعسكرية في أكثر من مكان، بفضل التشتت والتباعد والتناحر التي تعيشه أغلب الدول العربية، في صراعات وتحركات لا تخدم إلا الأعداء فقط وأقرب دليل على ذلك ما تعيشه، السودان، وليبيا، والصومال، واليمن، وسوريا، وفلسطين.. وكنا نأمل أن يكون العام الميلادي الجديد عاماً أقل كوارث من سابقه إلا أن الأحداث المتسارعة مع بدايته تنبيء بأن هذا العام سيكون عاماً تتملكه الفوضى السياسية، والعسكرية، والحروب المتداخلة، افتتحه السيد (ترمب) باختطاف رئيس دولة وزوجته من مرقدهما؟! وما قامت به القوة الخاصة المسماة (قوة الدلتا) وهي المجموعة ذاتها التي ألقت القبض على صدام حسين، ورئيس بنما، وقتلت أسامة بن لادن وغيرها كثير، وأنا أتساءل وغيري يتساءلون والذكاء الاصطناعي كيف يمكن تفسير أن تستطيع قوات دلتا الأمريكية من اختطاف رئيس من مقر إقامته محاطاً بجيشه وحرّاسه، وعجزها عن فعل نفس الشيء في غزة ضد قادة المقاومة طوال عامين أثناء حرب الإبادة على غزة؟ وهذه المقارنة تضع اليد على واحدة من أكثر الحقائق العسكرية تعقيداً في العصر الحديث. فكيف يمكن للقوة التي اخترقت قصر «ميرا فلوريس» الحصين في كاراكاس واعتقلت رئيس دولة (مادورو) في دقائق، أن تعجز عن تحقيق هدف مماثل في زقاق ضيق في غزة على مدار عامين؟
تجمع التحليلات العسكرية بين عدة أسباب تجعل من «غزة» لغزاً استعصى على «دلتا فورس» ونظيراتها من قوات النخبة:
1 - الاستخبارات «البيئة المخترقة» مقابل «البيئة الصماء»
* في فنزويلا: نجاح عملية يوم (3 يناير 2026) لم يكن ليتحقق لولا وجود «خيانة من الداخل». الجيوش النظامية والمؤسسات السياسية التقليدية غالباً ما تُصاب بـ«تآكل الولاء» نتيجة العقوبات الاقتصادية أو الوعود الأمريكية. واشنطن كانت تملك إحداثيات غرفة نوم مادورو لحظة بلحظة.
* في غزة: المقاومة تعتمد نظام «الخلايا العنقودية» التي لا تعرف بعضها البعض. المعلومات هناك لا تمر عبر هواتف أو إنترنت يمكن تعقبه بل عبر سُعاة بشريين وخطوط سلكية بدائية (Underground Intranet). هذا جعل غزة «بيئة صماء» استخباراتياً للأمريكيين، حيث لا يوجد «مركز ثقل» واحد يمكن اختراقه.
2 - التضاريس: «القصور» مقابل «مترو الأنفاق»
* كاراكاس: مهما بلغت حصانة القصور الرئاسية، فهي تظل أهدافاً فوق الأرض، يسهل مسحها حرارياً وعبر الأقمار الصناعية. عملية الاعتقال التي تمت كانت «عملية جراحية» اعتمدت على تفوق تكنولوجي في بيئة حضرية مكشوفة.
* غزة: المعركة تدور في «بعد ثالث» (تحت الأرض). شبكة الأنفاق، التي يُطلق عليها «مترو غزة»، تلغي تفوق الطيران والمسيّرات. قوات «دلتا» تدرك أن الدخول إلى نفق هو «انتحار عسكري»؛ لأن القواعد هناك لا تتبع المنطق العسكري التقليدي، بل هي عبارة عن مصائد موت محكمة لا تمنح المهاجم فرصة للمناورة.
3 - العقيدة: «الوظيفة» مقابل «الاستشهاد»
* الحراسة في فنزويلا: حرس مادورو (رغم تدريبهم العالي) هم موظفون في نهاية المطاف. أمام قصف أمريكي ساحق وغزو شامل، قد يختار الكثيرون النجاة أو الاستسلام.
* الحراسة في غزة: قادة المقاومة محاطون بمجموعات تمتلك «عقيدة استشهادية». في مواجهات عامي 2024 و2025، وثقت تقارير عسكرية (مثل تقارير العقيد المتقاعد دوغلاس ماكغريغور) أن قوات خاصة أمريكية وإسرائيلية تكبدت خسائر فادحة عند محاولتها تنفيذ عمليات استطلاع أو إنقاذ، لأن المقاتل الفلسطيني لا ينسحب، بل يقاتل حتى آخر رصاصة، مما يجعل فكرة «الاختطاف والعودة سالمين» مستحيلة تقنياً.
4 - الفارق بين «الدولة» و»اللا دولة»
* الولايات المتحدة بارعة في «قطع رأس الدولة»؛ فالدولة لها هيكل، إذا سقط الرئيس سقط النظام.
* أما المقاومة في غزة، فهي منظومة «لا مركزية». اختطاف قائد أو حتى تصفيته لا ينهي المعركة، بل قد يؤججها. هذا الفشل البنيوي في تحديد «الهدف القاتل» هو ما جعل غزة ثقباً أسود استنزف ميزانيات عسكرية أمريكية تجاوزت 22 مليار دولار دون تحقيق «صورة نصر» واحدة تشبه ما حققه ترامب اليوم في فنزويلا.
الخلاصة:
واشنطن نجحت في فنزويلا لأنها واجهت «نظاماً»، وفشلت في غزة لأنها تواجه «حالة نضالية» متجذرة في الأرض والآفاق. نجاح «دلتا» اليوم هو استعراض للقوة ضد الضعيف والمكشوف، وفشلها في غزة هو شهادة على عجز التكنولوجيا أمام الإرادة والتحصين البشري الفريد.
وأخيراً أقول مهما كان هنالك من قوة فهنالك أيضاً ذكاء بشري يستطيع الحد من هذه القوة إذا ما تهيأت له الأسباب التي تدفعه للإيمان بما يعمل ويقوم به وأذكّر بالبداية فهذا العام لا يبشر بالخير ولست متشائما ولكن اختطاف رئيس دولة من قلب عاصمة دولته لا يبشر بالخير مهما كانت الظروف فهنالك أساليب أخرى غير هذا الأسلوب وإلاّ فسيكون هذا العام وما بعده عاماً للفوضى السياسية، وأتمنى ألا يحصل ولا يكون حتى لا يصاب العالم بكوارث يصعب الخروج منها ويكون فيها فناء للبشرية وانعدام للأمان، والسلم العالمي وإنهاء دور مجلس الأمن والأمم المتحدة وتقفيل أبوابها طالما أن الأمور تجري هكذا!.