إبراهيم بن يوسف المالك
يُلاحظ في كثير من البيئات المهنية ميلٌ متزايد إلى تفسير بعض سلوكيات القيادات التنفيذية بوصفها مؤشرات ضعف أو ارتباك، خصوصًا حين يتعلق الأمر بتداخل التفاصيل الإجرائية أو عدم استحضارها بدقة. وغالبًا ما يُقاس هذا السلوك بمعايير تشغيلية بحتة، دون الالتفات إلى طبيعة الدور القيادي ذاته، وما يتطلبه من نمط تفكير مختلف.
هذا الخلط في التقييم لا يعكس خللًا في القيادة بقدر ما يكشف فجوةً في فهم الفارق بين عقل القرار وعقل الإجراء، وبين ما يُتوقّع من التنفيذي وما يُطلب من المنفّذ.
يُساء في كثير من الأحيان فهم الطريقة التي يعمل بها العقل التنفيذي، خصوصًا عند تقييم سلوكياته الذهنية بمعايير تشغيلية بحتة. ومن أكثر هذه السلوكيات إثارةً للجدل: اختلاط التفاصيل الإجرائية عند إدارة أكثر من مسار متشابه في الوقت ذاته. يُفسَّر هذا السلوك عادةً على أنه ضعف تركيز أو ارتباك، بينما هو في الواقع نتيجة طبيعية-بل متوقعة - لطبيعة الدور التنفيذي نفسه.
القيادة التنفيذية لا تُمارَس على مستوى الإجراء، بل على مستوى القرار. الفارق بين الدورين جوهري، ليس فقط من حيث المسؤوليات، بل من حيث المعمار الذهني الذي يتطلبه كل منهما. فالعقل التشغيلي مُهيأ لمتابعة الخطوات، وضبط التفاصيل، وتكرار الإجراءات بدقة. أما العقل التنفيذي، فيعمل في طبقة مختلفة تمامًا: طبقة المقارنة، والمفاضلة، وتقدير المخاطر، واختيار الاتجاه.
حين ننقل معايير التقييم من المستوى التشغيلي إلى المستوى التنفيذي دون تعديل، نقع في خطأ منهجي شائع. نطلب من القائد أن يتصرف كمنفّذ، ونحاسبه على تفاصيل لم تُصمَّم ذاكرته ولا وقته ولا طاقته الذهنية للاحتفاظ بها. والنتيجة: سوء فهم متكرر لسلوكيات قيادية طبيعية.
التنفيذي، بحكم موقعه، يُدير في الغالب مسارات متوازية ومتداخلة: مشاريع إستراتيجية، ملفات تفاوضية، مبادرات تطوير، أو برامج بحثية وأكاديمية. هذه المسارات قد تتشابه في الإطار العام وتختلف في التفاصيل الدقيقة. ومع تراكمها، يتعامل العقل التنفيذي معها بوصفها أنماطًا قرارية لا إجراءات منفصلة. هنا تبدأ التفاصيل المتقاربة في الاندماج، لا لأن القائد «نسِي»، بل لأن دماغه اختار أن يحتفظ بما يخدم القرار ويتخلى عمّا عداه.
هذا السلوك ليس عشوائيًا، بل هو شكل من أشكال التفويض الذهني. التنفيذي يفوّض التفاصيل إلى النظام، أو إلى الفريق، أو إلى العملية نفسها، ويحتفظ بموقعه في مستوى أعلى يضمن سلامة الاتجاه العام. ومن الخطأ افتراض أن هذا التفويض يقلل من جودة القيادة؛ بل على العكس، هو ما يسمح للقائد بالاستمرار في اتخاذ قرارات معقّدة دون استنزاف ذهني.
الإشكال الحقيقي يظهر عندما تُقيَّم هذه العقلية بمعايير غير مناسبة. فعندما نسأل: «لماذا لم تتذكر هذا الإجراء؟» أو «كيف اختلط عليك هذا المسار؟» فإننا نفترض ضمنيًا أن القيادة يجب أن تعمل بعقلية تشغيلية. هذا الافتراض لا يظلم القائد فحسب، بل يضعف المؤسسة ككل، لأنه يدفع القيادات إلى الغوص في التفاصيل على حساب الرؤية.
تاريخيًا، المؤسسات الأكثر نضجًا هي التي تفهم هذا الفرق وتبني أنظمتها وفقه. فهي لا تطلب من القيادات الاحتفاظ بكل تفصيلة، بل تطلب منهم بناء أنظمة تحفظ التفاصيل نيابةً عنهم. ولا تُقيّم القائد بقدرته على استرجاع إجراء، بل بقدرته على اختيار القرار الصحيح في الوقت الصحيح.
وتزداد خطورة سوء الفهم هذا عندما يتسلل إلى مجال الحوكمة وتقييم الأداء. فحين تُربط كفاءة القائد بمدى التزامه بالتفاصيل التشغيلية، تتحول القيادة إلى إدارة يومية، ويتراجع التفكير الاستراتيجي لصالح الانشغال بالإجراءات. وهنا لا نخسر قائدًا فحسب، بل نخسر البوصلة التي توجه المنظمة.
ومن المهم التأكيد أن هذا النمط الذهني لا يعني إهمال التفاصيل أو الاستهانة بها. على العكس، هو اعتراف ضمني بأهميتها، لكن ضمن السياق الصحيح. التفاصيل مهمة، لكنها ليست مهمة القائد التنفيذي أن يحملها جميعًا في ذاكرته. مهمته أن يضمن وجود نظام يحملها، وأن يتدخل عند الحاجة، لا أن يعيش داخلها.
في عالم تتسارع فيه القرارات وتتعقّد فيه الملفات، يصبح التمييز بين العقل التشغيلي والعقل التنفيذي ضرورة مؤسسية، لا ترفًا فكريًا. فكلما زادت الضغوط والتداخلات، زادت الحاجة إلى عقل قادر على الاختيار لا على التذكّر، وعلى التوجيه لا على التنفيذ.
الخلط بين التفاصيل ليس دائمًا خللًا، كما أن تذكّر كل إجراء ليس دائمًا فضيلة. الخطأ الحقيقي هو تقييم القيادة بمعايير لا تنتمي لطبيعتها. فالقيادة، في جوهرها، ليست في حفظ المسار، بل في اختيار الاتجاه حين تتزاحم المسارات.