أحمد آدم
سؤال يتردد صداه وبقوة: هل يشهد العالم نظاما ماليا جديدا قبل نهاية هذا العقد في ظل كل تلك الفوضى العالمية والتي يثيرها ترامب وبشكل غير مسبوق على الاطلاق في التاريخ الحديث والقديم.
هذه الفوضى التي أدت لتراجع الدولار بنسبة 4,4 % أمام اليوان خلال عام 2025 مسجلاً أكبر انخفاض سنوي له منذ عام 2003 وقد اخترق اليوان مستوى 7 يوانات مقابل الدولار للمرة الأولى منذ عامين ونصف.
وعلى النقيض من الدولار تألق اليورو وحقق مكاسب قوية أمام اليوان مع الوضع في الاعتبار: أن تراجع اليوان أمام اليورو يعود ايجابا على الاقتصاد الصيني فتراجع اليوان أمام اليورو يعطى المنتجات الصينية ميزة نسبية كبيرة أمام مثيلاتها من دول الاتحاد الأوروبي. وفرض ترامب لضرائب على المنتجات الصينية المتوجهة لبلادة قد جعلت الصين تكثف جهودها نحو أوروبا ودول مجلس التعاون الخليجي. وباتت منافسة منتجاتها مع مثيلتها الأوروبية لا الأمريكية..
ومع ما يحدث ازدادت الاستثمارات فى الذهب فاخترق لأول مرة حاجز 4400 دولاراً للأوقية وهو أعلى سعر له على الإطلاق، وقد أظهرت تقارير مجلس الذهب العالمي لعام 2025 أن مشتريات البنوك المركزية خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025 قد بلغت نحو 634 طنا.
وأن الربع الثالث من العام شهد زخماً كبيراً حيث سجلت المشتريات 220 طناً بزيادة قدرها 28 % عن الربع الثاني من العام نفسه. وهو الوقت التي تأكد فيه المحللون الاقتصاديون والمصرفيون أن فوضى ترامب لا تحمل مستقبلا للدولار الأمريكي.
وتمثلت الدوافع والتوجهات الاستراتيجية في:
- تنويع الاحتياطيات: أظهر استطلاع أجراه المجلس أن 95 % من البنوك المركزية تتوقع زيادة الاحتياطيات العالمية من الذهب، بينما خططت 43 % منها لزيادة حيازتها الخاصة.
- التحول عن الدولار: أشار التقرير إلى رغبة متزايدة لدى البنوك في تقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي كعملة احتياط مع تفضيل الذهب كأصل إستراتيجي يوفر الحماية ضد التضخم والمخاطر الجيوسياسية.
- إدارة المخاطر: برز «إدارة المخاطر» كسبب رئيسي لزيادة حيازة الذهب، متفوقاً على أهداف التداول التكتيكي.
وينتهى التقرير بأنه مع دخول عام 2026 يرى المجلس أن الذهب سيظل مخزناً للقيمة وملاذاً آمناً في ظل استمرار حالة عدم اليقين الاقتصادي العالمي.
بداية تشكيل نظام أمريكي نقدى جديد
في يوليو 2025 تم تمرير قانون يحمل اسم «قانون توجيه وضمان الابتكار الوطني للعملات المستقرة» القانون يلزم مصدري العملات المستقرة مثل tether والتي تمتلك 135 مليار دولار من الديون الأمريكية، وهذا يجعلها المالك رقم 17 عالمياً للديون الأمريكية متفوقة على دول مثل ألمانيا وكوريا الجنوبية والسعودية. وكذا مثلusds بالاحتفاظ باحتياطياتهم في «أذون خزانة أمريكية قصيرة الأجل». وهذا يعنى خلق «مشتري إجباري» للديون الأمريكية. فكل دولار يدخل سوق الكريبتو يتحول أوتوماتيكياً إلى طلب على أذون وسندات الخزانة الأمريكية.
الخزانة الأمريكية أدركت التراجع الذى يمكن أن يحدث في الطلب على أذون وسندات الخزانة الأمريكية في ظل الفوضى التي بدأ يثيرها ترامب في الداخل والخارج فقررت أن تستخدم شركات الكريبتو التي تملك طلباً لا ينتهي وأصبحت الشركات الخاصة تصدر «دولارات رقمية» وتشتري ديون الحكومة وتحتفظ بالأرباح، وبذلك أمريكا تحصل على تمويل لديونها والشركات تحصل على الأرباح والعالم يحصل على «دولارات رقمية» سهلة التداول والتوقعات تشير إلى أن العملات المستقرة قد تشتري ما يصل إلى 30 % من سوق أذونات الخزانة بحلول 2030 . وبهذا فأمريكا يقل اعتمادها على البترودولار وتنتقل بسلاسة الى الكريبتو دولار والعملات المستقرة بذلك لن تكون «تكنولوجيا هامشية» بل ستصبح ركيزة أساسية للأمن القومي المالي الأمريكي . وضعا في الاعتبار:
- بلغ إجمالي الدين الوطني للولايات المتحدة حوالي 38.42 تريليون دولار اعتباراً من مطلع يناير 2026 وتشير تقارير وبيانات مالية حديثة إلى أن الدين تجاوز حاجز الـ 38.5 تريليون دولار مع بداية الشهر نفسه. ومن المتوقع أن تصل مدفوعات الفائدة السنوية على الديون إلى تريليون دولار لأول مرة خلال عام 2026 ووصول فوائد الدين إلى تريليون دولار يعني أن أمريكا بدأت تأكل نفسها من الداخل.. سندات وأذون الخزانة بلغت قيمتها بالفعل نحو 30.81 تريليون دولار في 7 يناير 2026 وتواجه وزارة الخزانة تحدياً كبيراً هذا العام حيث يُستحق سداد أو إعادة تمويل نحو ثلث إجمالي الديون ما يعادل 10-12 تريليون دولار من السندات خلال عام 2026.
- دخول الأموال سهل ويدعم السندات لكن خروج الأموال في وقت الأزمات يجبر هذه الشركات على بيع السندات فوراً لتوفير الكاش إذا حدثت أزمة ثقة وقرر المستثمرون استرداد أموالهم من العملات المستقرة، وهذا يعني «إغراق» سوق السندات الأمريكية في أسوأ توقيت ممكن مما قد يفجر النظام المالي بالكامل.
استبدال البنوك المركزية بالأفراد والمؤسسات الخاصة في امتلاك الأذون والسندات الأمريكية سيشكل قماشة عريضة للتآمر على الاقتصاد الأمريكى؛ فالقوى المنافسة (كالمحور الشرقي) يمكنها التلاعب بسوق الكريبتو لضرب سوق السندات الأمريكي دون إطلاق رصاصة واحدة. وتهديد أمن أمريكا القومى بشكل يسمح للقوى المنافسة بالتأثير على قرارها السيادي.
النظام الصيني النقدي الجديد
أكدت وثيقة الأمن القومي الأمريكية التي أعلنها ترامب في أكتوبر الماضي سعي أمريكا للاكتفاء الذاتي التام من الوقود وهو ما يقلل من حاجتها لاستيراد النفط بالدولار مما يزيد من ضغوط تفكيك اتفاقية البترودولار بشكل يكون بمثابة «الضوء الأخضر» للقوى المناوئة في الخارج لتسريع وتيرة تفكيك النظام المالي العالمي الذي تقوده واشنطن. وتتجسد هذه القوة في تحركات الصين الاستراتيجية على ثلاثة مسارات.
- بريكس الحزام المالي الجديد: يعمل تكتل البريكس (الذي يضم أكبر دول العالم إنتاجاً واستهلاكاً للطاقة والبضائع)، على بناء نظام مالي موازٍ يهدف إلى إنهاء هيمنة الدولار. وقد أثار قرار ضم دول محورية مخاوف عميقة في واشنطن، إذ يُنظر إليه عالمياً على أنه حدث فاصل سيعيد تشكيل الاقتصاد. وتُشكل دول البريكس تحدياً مباشراً عبر توجيه التجارة البينية نحو التسوية بالعملات المحلية (اليوان الصيني والرنمينبي)، مما يضعف الطلب العالمي على الدولار الأمريكي.
- الذهب الصيني الجديد السلاح ضد الهيمنة النقدية: في ظل تراجع الدولار، تحولت الصين ببراعة إلى ورقة الذهب الرابحة. فقد عززت بكين استراتيجيتها طويلة الأمد بتحويل الذهب إلى أداة سيادية، ونجحت في أن يقفز سعر المعدن النفيس إلى مستويات قياسية (متجاوزاً 4000 دولار للأونصة في 2025). «الذهب الصيني الجديد» ليس مجرد معدن، بل هو بنية تحتية مالية جديدة تهدف إلى إلغاء هيمنة الدولار.
* تغيير مركز التسعير: تعمل الصين بنشاط، من خلال بورصة شنغهاي للذهب (SGE) على استقطاب البنوك المركزية الصديقة لتشتري وتخزن الذهب عبر خزائنها. الهدف هو أن تتحول الصين من مجرد مستورد ومستهلك إلى أمين خزنة عالمي يحفظ احتياطيات الذهب السيادية.
* عقود اليوان المدعومة بالذهب: أطلقت بورصة شنغهاي عقوداً جديدة لتداول الذهب باليوان الصيني بدلاً من الدولار، مما يعزز دور اليوان كعملة تسوية عالمية يكون الذهب هو «مرساة الثقة» لها. هذه الآلية توفر قناة مالية مقاومة للعقوبات (Sanctions-Resistant) لشركاء البريكس ومبادرة الحزام والطريق.
* الذهب المادي مقابل الذهب الورقي : تختلف الآلية الصينية عن الغربية (لندن/ نيويورك) بتركيزها على التسليم المادي للذهب في معظم المعاملات مما يضمن أن السعر يعكس العرض والطلب الحقيقيين للذهب الفعلي وليس المضاربات على العقود الورقية (وهو ما يُنظر إليه على أنه تلاعب مصطنع بالأسعار لصالح الدولار).
* سلة عملات جيوسياسية: تجاوز سلة العملات التقليدية (اليورو، الين، الجنيه الاسترليني) نحو سلة تضم عملات التكتلات الصاعدة الفاعلة في التجارة العالمية، وأبرزها اليوان الصيني وربما عملة البريكس قيد الإنشاء.
* أصول صلبة: عدم الاكتفاء بالذهب فقط، بل التوسع ليشمل سلة من السلع الاستراتيجية (كالطاقة والمعادن النادرة) التي تُسعَّر بالعملات المحلية أو اليوان، مما يحوّل الاحتياطي من مجرد مخزون نقدي إلى ضمان لسلاسل الإمداد الوطنية.
* آليات الدفع السيادية: تقليل الاعتماد على أنظمة المقاصة الغربية (مثل سويفت) وتفعيل التبادل عبر أنظمة دفع محلية أو تكتلية، مثل نظام CIPS الصيني، لضمان عدم تجميد الأصول في حال نشوب أزمة جيوسياسية مع الولايات المتحدة.
الأحداث المتسارعة التي شهدناها في عام 2025 وبداية هذا العام تضع العالم أمام حقيقة لا تقبل الجدل لقد انهار النظام العالمي المُنظَّم الذي تقوده واشنطن فالجموح الداخلي لترامب لم يشل واشنطن سياسياً فحسب بل مهّد الطريق لتفكيك النظام المالي العالمي بشكل فعلي عبر المقامرة بالانتقال من «البترودولار» إلى «الكريبتو- دولار» لمواجهة أزمة الديون المرعبة في 2026 ؛ مما سيسمح لتكتل البريكس والصين بإطلاق ثقلها المالي المدعوم بـ الذهب الجديد معلنة نهاية هيمنة الدولار.
وفي هذا المسار يصبح التحول الإستراتيجي للدول نحو إعادة هيكلة احتياطياتها الدولية عبر التنويع المُركَّب بين العملات الصاعدة والأصول الصلبة متطلباً للسيادة والأمن القومي وليس مجرد خيار اقتصادي.