د. فهد صالح عبدالله السلطان
المتتبع لما يجري على الساحة الجيوسياسية يقف على حقيقة مفادها اضطراب وربما انهيار النظام العالمي الذي تم تأصيله وبناؤه في العام 1945 تحت مظلة الأمم المتحدة.. وعودة السيادة شبه المطلقة لمنطق القوة وقانون الغاب..
فعلى الرغم من أن النظام الدولي لم يتم تطبيقه بشكل منهجي وعادل منذ ذلك التاريخ إلا أن تجاوزه وتخطيه خلال الفترة السابقة كان يتم على استحياء وبشكل استثنائي.. أما اليوم فقد غاب الحياء والاستحياء والقيم والأعراف عن كثير من السياسيين والقادة مثل غيابها عن بعض الشباب والشابات في بعض المجتمعات المحافظة، وأصبح القوي لا يعتد بالقانون الدولي البتة ولا يضعه في حساباته.. وإلا ما معنى أن يقوم كيان محتل بقتل ما يزيد عن 73 ألف مواطن مدني منهم 70 % أطفال ونساء، ليس فقط على مرأى من العالم بل بتأييد من بعض ما يسمى بالمجتمعات المتحضرة.
وما معنى أن تقوم دولة بالسطو على دولة أخرى واعتقال رئيسها المنتخب من منزله والاستعراض به في شوارعها ومحاكمته على أرضها، ثم ما معنى أن تتحالف دولتا مكرٍ وشرٍ في الشرق الأوسط وتتعاونان على التدخل في شئون خمس دول مسالمة والعمل على تقسيمها من الداخل ودعم الثوار والخونة فيها؟!.
والملفت للنظر أن ذلك يجري على مرأى ومسمع من الدول التي تملك عضوية دائمة في مجلس الأمن الدولي، والتي يفترض أن تقوم على حماية وحراسة النظام العالمي والأمن الدولي.. وما أصدق المثل الشعبي «حاميها حراميها» على زماننا.
نعم، نحن نعيش في عصر القوة وقانون الغاب الذي لا يحترم نظاما ولا عرفا ولا قيما. ومن ثم، فلن يكون هناك سلم ولا سلام، ولا أمن ولا أمان دون قوة تحميها..
فالقوة هي مصدر الأمن والسلام، ولن يحمي أي دولة بعد الله إلا البارود، ومن أراد السلام فعليه أن يحققه ويحفظه بالبارود، ومن أراد أن يحمي نفسه وشعبه من العدو فعليه أن يعد للعدو ما استطاع من قوة، وإلا فلن يكون هناك سلام بل استسلام.. في عصرنا الحاضر. اجتماعات الصلح والتقارب، وما يعرف بالتعايش بين طرفي نزاع هو لا يعدو عن محاولة لإقناع الضعيف بالتخلي عن حقة، فإن رفض انتزعوه منه بالقوة.
الدولة التي لا تملك القوة لن يسمع صوتها ولن يؤخذ برأيها ولن تسلم من الغزاة ومجرمي الحروب وبائعي الأسلحة. يقول وينستون تشرشل وهو من أعظم القادة في القرن العشرين: «حيثما يصل مدفعك يُسمع صوتك (بضم الياء)».
«لا تلقِ سلاحك».. تقول الأساطير الروسية أن عددا من الغزاة قدموا على حارس مزرعة يحمل بندقية لحمياتها، وكان بيد أحدهم ساعة ثمينة ربما تعادل قيمة سلاح الحارس عشرات الأضعاف فأغروه بها مقابل سلاحه حتى تملكه الشعور بأنه سيغلبهم في المبادلة والبيعة فقبل العرض فأعطوه الساعة وأخذوا سلاحه الذي بواسطته انتزعوا الساعة منه واستعادوها بالقوة واستولوا على مزرعته ثم قتلوه، فخسر مزرعته وخسر باروده وخسر نفسه.
يقول الشاعر العربي في شطر بيته الأول: ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يهدم ...الخ
لو لم يكن لدينا دولة قوية تخيف الأعداء لما القى الخارجون على القانون سلاحهم وخرجوا خلال اربع وعشرين ساعة بعدما ظنوا أنهم مانعتهم حصونهم، وأنهم أنجزوا مهمة تقسيم تلك الدولة الشقيقة وحققوا أهدافهم.
ومن يقرأ الأحداث بتأمل يدرك القوة السعودية ببعديها: الحسي والناعم. التي أدارت المشهد بشكل مذهل لم ولن يتحقق لولا قوة إيمانها وتوكلها على الله أولا ثم قوة إعدادها وسلاحيها الناعم والحسي.
لقد تم حل مشكلة الجنوب اليمني وتطهيره وإعادة الأمن إليه في وقت قياسي لا يتعدى عشرة أيام، تم فيها تنظيف مخططات وأعمال مشينة خطط لها الآخرون وعملوا على تنفيذها على مدى عشرة أعوام.. نعم، هو درس يستحق الوقوف عنده والتدبر.
وفي واقع الأمر أن المتأمل لما يجري على الساحة الجيو سياسية العالمية والساحة الاقتصادية العالمية يدرك بشكل جلي وواضح حجم التحديات غير المسبوقة التي يتوقع أن يواجهها العالم في الأعوام القادمة.
ونظرا لأن قيادتنا وبما تملكه من حنكة وحكمة تنبأت لكثير من الأحداث كما أن مراكز المعلومات لدينا أثبتت مهنية كبيرة في التنبؤ المبكر بكثير من الأحداث الإقليمية فقد حقق الملف السياسي الخارجي السعودي نجاحات متوالية، ولله الحمد.
وصدق القائل جل في علاه: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ}.. الآية.
حفظ الله لنا أمننا وأماننا وقيادتنا وشعبنا، وأبقى هذا البلد عزيزا شامخا وذخراً لأهله وللمسلمين أجمعين.