السفير متلم ميرزاييف
شكلت العلاقات السعودية الأذربيجانية، منذ بداياتها، نموذجًا للتفاهم القائم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، حيث تلاقت رؤى البلدين حول أهمية صون الاستقرار الإقليمي وتعزيز التعاون بين الدول على أساس السيادة والشرعية الدولية.
وكان الاعتراف المبكر للمملكة العربية السعودية باستقلال جمهورية أذربيجان في ديسمبر 1991 محطة مهمة في مسار العلاقات الثنائية، تبعته إقامة العلاقات الدبلوماسية رسميًا في فبراير 1992، ما أتاح توسيع مجالات التعاون السياسي والاقتصادي، بما في ذلك الاستثمار والطاقة والتجارة والسياحة، إلى جانب تعزيز التنسيق في القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
وفي إطار بناء الدولة الأذربيجانية الحديثة، استطاعت أذربيجان، خلال العقود الماضية، أن ترسخ مكانتها كشريك موثوق ومسؤول في الساحة الدولية، مستندة إلى نهج سياسي متوازن وإصلاحات تنموية شاملة عززت من سيادتها الوطنية وحضورها الإقليمي. وقد شكّل استعادة وحدة أراضيها كاملة محطة مفصلية في تاريخها الحديث، نقلت البلاد إلى مرحلة جديدة من الاستقرار والسيادة الكاملة.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل مسيرة الدولة الأذربيجانية الحديثة عن التضحيات الجسيمة التي قدمها شعبها دفاعًا عن حريته وحقه المشروع في تقرير مصيره. إذ تحل في هذا العام الذكرى الخامسة والثلاثون لمأساة العشرين من يناير عام 1990، المعروفة في الذاكرة الوطنية الأذربيجانية بـ»يناير الأسود»، حين اجتاحت القوات السوفيتية العاصمة باكو في عملية عسكرية غير مسبوقة، استهدفت المدنيين العزل وأسفرت عن سقوط أكثر من مئة وثلاثين شهيدًا ومئات الجرحى.
لقد شكّلت مأساة «يناير الأسود» محطة تاريخية مفصلية في مسار الوعي الوطني الأذربيجاني، وأسهمت في تسريع عملية التفكك الداخلي للاتحاد السوفيتي. كما مهدت هذه التضحيات الجسيمة الطريق أمام إعلان استقلال جمهورية أذربيجان عام 1991، لترسخ إرادة شعب اختار السيادة والكرامة الوطنية.
وفي هذا الإطار، برز الدور التاريخي للزعيم القومي حيدر علييف، الذي أدان علنًا، في مؤتمر صحفي عقده في موسكو في 21 يناير 1990، الجريمة التي ارتُكبت بحق الشعب الأذربيجاني، وكشف أمام الرأي العام الدولي أبعاد المأساة ومسؤولية القيادة السوفيتية عنها، رغم ما تعرض له من ضغوط سياسية شديدة. وقد شكّل موقفه هذا أساسًا لنهج الدولة الأذربيجانية الحديثة في الدفاع عن السيادة الوطنية والحقوق المشروعة.
وفي كل عام، يحيي الشعب الأذربيجاني ذكرى العشرين من يناير باعتبارها رمزًا خالدًا للتضحية والصمود، حيث يتوافد الملايين إلى «مرقد الشهداء» في باكو لتكريم أرواح من قدموا حياتهم فداءً لحرية الوطن واستقلاله، وتجديد العهد على مواصلة مسيرة البناء والتنمية.
** **
- سفير جمهورية أذربيجان بالرياض