خالد الأنصاري
إن القارئ لكتب شيخنا معالي الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ والمستمع لدروسه ومحاضراته يجده لا يفتأ عن ذكر «التوحيد» وتقريره والحث على التمسك به، والدعوة إليه، واجتناب كل مايؤدي إلى الشرك والتحذير منه كالدعاء عند قبور الأولياء والصالحين والتوسل بهم في دفع كرب أو جلب نفع، والذبح لغير الله تعالى، وكذلك التساهل بمظهر من مظاهر الشرك كقراءة الأبراج ومتابعتها وعن ذلك يقول -حفظه الله- كما في كتابه «التمهيد شرح كتاب التوحيد» (ص349): «من قرأ الصفحة التي فيها الأبراج وهو يعلم برجه الذي ولد فيه أو يعلم البرج الذي يناسبه وقرأ ما فيه، فكأنه سأل كاهناً فلا تقبل له صلاة أربعين يوماً، فإن صدق بما في تلك الأبراج فقد كفر بما أنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم-».
وبين أيضاً أن الانشغال والتعلق بالدنيا يضعف جانب التوحيد فقال في «الأجوبة والبحوث» (433/5): «لا شك أن ماحصل من الانشغال بالدنيا يضعف التوحيد ؛ لأن التوحيد ليس قضايا عقلية، التوحيد علم وعمل، وتذلل لله جل جلاله، وكلما قوي دخول الدنيا إلى القلوب، والانشغال بالشهوات المباحة -فضلاً عن المحرمة- ضعف الاهتمام بالتوحيد».
وهكذا دأب شيخنا -حفظه الله- في «تقرير التوحيد»والتحذير من كل ما يخالف «العقيدة الصحيحة» من الأمور الشركية والبدعية، والحرص على تحصين الأفكار وربطها بـ«العقيدة» وترسيخها في القلوب:
إن العقيدة ند للحياة فإن
ضاعت فكل حياةٍ بعدها عَدمُ
ومن ذلك أيضاً ما بينه لنا في درسه المنعقد مؤخراً - ضمن الدورة العلمية الشتائية والتي تنظمها رئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي - مساء يوم الجمعة 20 رجب 1447هـ بالمسجد الحرام عن «الأصول الجامعة لفهم أدلة توحيد العبادة» حيث استهل بمقدمة مهمة في تقرير أهمية «التوحيد» ومعنى هذه الكلمة ومدلولها في القرآن والسنة النبوية، ثم عرض هذه الأصول الجامعة وبين أهميتها والتي لم يؤلف أو يكتب فيها استقلالاً، مع ضرب أمثلة تطبيقية عليها، وقد ذكرها شيخنا مختصرةً على النحو التالي:
أولاً: أن أدلة توحيد العبادة محكمة:
أي غير متشابهة، ولا يدخلها تبديل ولا تغيير، وقدجاءت بها جميع الرسل، مع اختلاف الشرائع، وهي غير قابلة للنسخ لا في أصولها ولا في فروعها.
ثانياً: أن أدلة توحيد العبادة حاكمة لا محكومة:
فهي الأصل الذي يُرجع إليه، ولا يُعارض بشيء خارج عنها.
ثالثاً: أن أدلة توحيد العبادة كلية:
عامة مطّردة تشمل جميع الأشخاص، والأمكنة، والأزمنة، ولا تختص بحال دون حال.
رابعاً: أن أدلة توحيد العبادة متنوعة:
تتنوع في أساليبها وطرائقها، لتقوم الحجة وتظهر الدلالة من وجوه متعددة.
خامساً: أن الاستدلال بأدلة التوحيد يكون بأحد ثلاثة أوجه:
إما أن يكون الاستدلال بالمطابقة، أو بالتضمن، أو بالالتزام.
ساساً: أن تستخدم علوم اللغة العربية في الاستدلال على توحيد العبادة:
من دلالات الألفاظ، وأساليب الخطاب، ووجوه البيان العربي.
سابعاً: أن تستخدم أصول الفقه في الاستدلال على توحيد العبادة:
من القواعد الأصولية، ودلالات العموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، وغيرها.
ولم يسعف الوقت شيخنا لإكمال الحديث عن هذه الجزئية المهمة أيضاً ولعله في مناسبة علمية أخرى يتسنى له ذلك بمشيئة المولى عز وجل.
وعليه فإن هذا الدرس ماهو إلا جانب واحد فقط من جوانب عديدة في حرص شيخنا الجليل على «تقرير التوحيد» والتحذير من البدع والخرافات والشبهات المؤدية إلى الشرك بالله تعالى.
وذلك لكون «التوحيد» أعظم شهادة يخرج بها الإنسان من هذه الحياة الفانية ويعتز بها فهي مصدر أنسه وسعادته ونجاته:
كل الشهادات بعد الموت لاغيةٌ
لا تنفع العبد أو تمنحه تقديراً
إلا الشهادة بالتوحيد خالصة
يلقى بها العبد جناتٍ وتبشيرا
إضاءة:
قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
»فَالتَّوْحِيد حِصْن اللَّهِ الْأَعْظَمُ الَّذِي مِنْ دَخَلَهُ كَانَ مِنْ الآمِنِينَ».
كتاب «بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ» (2 /245).