خالد بن عايض البشري
من الأولى عدم الحديث عن الذات، بهذه العبارة استهل الفيلسوف الألماني (بول ناتورب) الحديث عن ذاته فكانت محل إعجاب تلميذه النابه الفيلسوف (هانز جورج غاد مير) الألماني كذلك. حيث استشهد بها في سيرته الذاتية التي صدرت بعنوان (التلمذة الفلسفية).
والعبارة المذكورة ليست على ظاهرها اللفظي، بل هي كناية عن رفض مبدأ (ديكارت) في إنكار الأحكام المسبقة التاريخية والتراثية في ربط ماضيها بحاضرها.
وانطلاقاً من هذا المبدأ يؤكد (غاد مير) أنه لا كتابة صالحة تتجرد عن الذات الخالية من مؤثرات سابقة تربط الزمن المعرفي في مراحله الثلاث، فجاءت سيرته عبر (تلمذة) واعية وناقدة لأساتذته، ومعبراً كذلك عما يلزم وما لا يلزم من تلك الأحكام المبثوثة في ثنايا سيرته فأخذ منها وترك. فهو لم يتحدث عن ذاته (المحاضرة) بمعزل عما اكتسبه من أحكام معرفية مسبقة تأثر بها أو كشف عنها محللاً وناقداً ومقرراً في سيرة ذاتية وغيرية ذات سمة فلسفية عميقة ناهزت أطوارها قرناً من الزمان.
وهذه السيرة (الغاد اميرية) وأمثالها تحكي السير الحية الطافحة بالتجارب والأفكار ذات القِيَمْ والقيمة، خلافاً لبعض السير (المنعزلة) عن الآخر والمشبعة بمعلومات شخصية تعنى بصاحبها ولا تهم القارئ.
والحق، أن المكتبات الأجنبية والعربية تحوي سيراً ذاتية رائعة تكشف عن حال العباقرة وحياة المبدعين، والقارئ الجيد هو من يمتلك القدرة في اختيار ما ينفع منها ويفيد.
أما المكتبة الثقافية السعودية فهي زاخرة بنتاج سِيَرْ عظيمة ذاتية أو غيرية لرواد سعوديين قدماء ومحدثين اتصف أكثرها بالموضوعية والجودة وحسن العرض. وهي نوع من أدب السيرة المتضمنة علماً وفكراً وتجارب لعلماء وأعلام من كل فن.
فقراءتها ليست مجرد تسلية فكرية أو اطلاعاً عابراً، وإنما باعتبارها وعاءً للثقافة ورمزاً للوفاء.
ومن خلالها ينتقل التراث بعلومه ومعارفه من يدٍ إلى يد ومن عقل إلى عقل، فليستمر العطاء وتدوم المعرفة.
- المرجع: (كتاب التلمذة الفلسفية)
- سيرة ذاتية للفيلسوف الفرنسي هانز جورج غادميرا
- ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح
طبيعة الكتابة الجديدة (الطبعة الأولى يناير 2013)
** **
- بريدة