عبود بن علي ال زاحم
في بيئات عمل تتزايد فيها الضغوط وتتعدد فيها التحديات، لم يعد المدير مجرد صاحب قرار أو موقع إداري أعلى في الهيكل التنظيمي، بل أصبح حجر الزاوية في استقرار الفرق، وجودة الأداء، وصناعة الثقة داخل المنظمة. وبين عشرات الصفات القيادية التي تُذكر في الكتب والدورات، تبقى صفة واحدة هي الأهم والأعمق أثرًا: تحمّل المسؤولية بوصفها أمانة قبل أن تكون منصبًا.
المدير الحقيقي لا يختبئ خلف الأنظمة عند الخطأ، ولا يبحث عن شماعة يعلّق عليها الإخفاقات. هو أول من يتقدم عند التعثر، وآخر من يغادر عند الأزمات. يدرك أن المنصب ليس امتيازًا شخصيًا، بل تكليف يحمل في جوهره مسؤولية أخلاقية ومهنية تجاه العمل وتجاه البشر الذين يعملون معه.
تحمّل المسؤولية لا يعني فقط إنجاز المهام الموكلة، بل يشمل حماية الفريق، والدفاع عنه عند الحاجة، وتوفير البيئة الآمنة التي تُمكّن الموظف من الأداء بثقة دون خوف من الخطأ أو الإقصاء.
المدير الأمين لا يستثمر في إنجازاته الفردية على حساب من حوله، ولا يقطف ثمار جهود فريقه وينسبها لنفسه، بل يُدرك أن النجاح الجماعي هو انعكاس مباشر لقيادته.
الأمانة في القيادة تتجلى في القرارات اليومية الصغيرة قبل الكبرى. في العدالة بين الموظفين، في توزيع الفرص، في تقييم الأداء، وفي احترام الوقت والجهد. المدير الذي يتحلى بالأمانة لا يسمح للعلاقات الشخصية أن تُزاحم المهنية، ولا يجعل من سلطته أداة ضغط أو استعراض. هو قدوة قبل أن يكون مُوجّهًا، وسلوكه اليومي هو الرسالة الأقوى لفريقه.
وحين يشعر الموظف أن مديره يتحمّل عنه العبء، ويقف أمامه لا خلفه، فإن ذلك يخلق رابطة ثقة تتجاوز حدود الوصف الوظيفي. هنا يتحول العمل من مجرد التزام وظيفي إلى شراكة حقيقية، ويصبح الانتماء نابعًا من الإحساس بالأمان والاحترام.
في المقابل، المدير الذي يتهرب من المسؤولية، أو يُلقي باللوم على فريقه عند أول عثرة، يُفقد المنظومة أحد أهم أصولها: الثقة. ومع غيابها، يتراجع الإبداع، وتضعف المبادرة، ويتحوّل الموظفون إلى منفذين صامتين بلا روح.
وفي خضم السلطة والمسؤولية، يجدر بكل مدير أن يتوقف لحظة مع نفسه، وأن يتذكّر أن خيانة الأمانة -أو حتى التقصير فيها- لا تكون دائمًا قرارًا صريحًا، بل قد تبدأ بتجاهل، أو ظلم عابر، أو كلمة قاسية في غير موضعها. وربما يكون أثر ذلك على موظفٍ ما أعمق مما يُتصوَّر. فكم من قلبٍ كُسر بصمت، وكم من اجتهاد أُحبط بغير وجه حق، كانت نهايته دعوة صادقة في جوف الليل: «حسبي الله ونعم الوكيل». وهي دعوة لا يحجبها منصب، ولا يصدّها نفوذ.
هنا تتجلّى خطورة الموقع القيادي؛ فالمسؤولية ليست صلاحية إدارية فحسب، بل عهد أخلاقي يُسأل عنه الإنسان قبل أن يُقيَّم عليه مهنيًا. والمدير الذي يستحضر هذا المعنى في قراراته وسلوكه، لا يحمي سمعته فحسب، بل يحفظ لنفسه ولمنظمته بركة العمل وعدالة الأثر، ويصنع بيئة إنسانية راقية ونجاحًا مستدامًا يتجاوز الأرقام والمؤشرات.