فاطمة آل مبارك
ماذا لو تغيّر إيقاع حياتنا، وأعادت المدن ضبط ساعاتها على إيقاع الفجر، قبل أن يسبقها الضجيج وتنهكها حركة لا تهدأ؟
تساؤل يفتح بابًا جادًا لإعادة النظر في علاقتنا بالزمن، وفي الكيفية التي أُدير بها العمل عبر عقود طويلة، حتى غدا في كثير من الأحيان سباقًا مستمرًا ضد الطاقة البشرية، أكثر من كونه مسارًا منظمًا للإنتاج.
تخيّل مجتمعًا يبدأ يومه مع صلاة الفجر، ويباشر عمله في السادسة صباحًا، في توقيت يكون فيه الذهن في أعلى درجات حضوره، والجسد في أوج استعداده ونشاطه. تُنظَّم خلالها المهام بحرفية وإتقان، فيتحول العمل إلى مساحة إنجاز حقيقي، وينتهي اليوم عند منتصف النهار. ومع صلاة الظهر تُطوى صفحة العمل في انسجام مع الوتيرة الطبيعية للإنسان. يعود الإنسان إلى حياته في وقت لا يزال فيه النهار كريمًا يتناول غداءه دون عجلة، يستعيد عافيته، ويمنح عبادته سكونها، وأسرته ومجتمعه حضورًا فعليًا طالما تآكل تحت ضغط الأيام الممتدة.
في هذا النموذج، يُعاد تعريف النجاح بوصفه توازنًا واعيًا بين العمل والحياة، وبين الواجب والمعنى. تستقر فيه الحركة الزمنية، ويستقر الإنسان معها، ليكون أكثر هدوءًا، أوضح ذهنًا، وأقدر على العطاء المستدام وفي السياق ذاته، يستعيد الليل هيبته بوصفه خاتمة طبيعية ليوم متوازن، نهاية هادئة حيث السكون واستعادة الذات، والاستعداد ليوم جديد.
العالم اليوم لم يعد يُدار بمنطق الحضور الطويل. التحولات الرقمية، والأتمتة، ونماذج العمل المرن، أعيد صياغة مفهوم الإنجاز بوصفه نتيجة ملموسة تُقاس بالأثر وجودة المخرجات، لا بعدد الساعات المستهلكة داخل المكاتب. لم تعد كثافة الزمن مؤشرًا دقيقًا على الإنتاجية، بقدر ما أصبحت سلامة القرار، وجودة التركيز، وسرعة الإنجاز، هي المعايير الحقيقية للكفاءة. وتكشف التجارب العالمية، على اختلاف سياقاتها، أن الإنسان حين يعمل في حالة من الاتزان يصبح أكثر قدرة على الإنجاز والإبداع، وتتراجع لديه ظواهر الاحتراق الوظيفي التي تُثقل كاهل المؤسسات قبل الأفراد. وقد أظهرت هذه التجارب أن إعادة تنظيم ساعات أو أيام العمل عكست تحسنًا في جودة الأداء، وارتفاعًا في الرضا الوظيفي، وتراجعًا في معدلات الدوران الوظيفي بما يحدّ من الهدر المؤسسي خسائر صامتة لا تظهر في الجداول المالية. فالإرهاق الجسدي حين يُستنزف دون تعويض، يفضي إلى غياب ذهني تدريجي لا يقاس بالأرقام، لكنه ينعكس مباشرة على جودة القرار، ومستوى الأداء، وسلامة النتائج.
إذ كل ساعة تُنجز بذهن حاضر وجسد متزن تغني عن ساعات تُهدر لاحقًا في تصحيح ما أفسده التعب.
وإذا أعدنا النظر بواقعية، فهل تمثّل ثماني ساعات عمل فعلًا ثلث اليوم؟ أم أنها في الواقع تستحوذ على مساحة أكبر من طاقة الإنسان اليومية؟ فإلى جانب زمن العمل الرسمي، هناك زمن يُستهلك في النوم والراحة ،زمن الاستعداد والتنقّل قبل العمل وبعده ،مما يجعل الثماني ساعات أثقل بكثير مما تبدو عليه في الجداول الرسمية. الأثر الأعمق لهذا النموذج لا يتوقف عند الفرد، بل يتسع ليشمل الاقتصاد ككل. الاستمرار في أنماط العمل المُجهدة يراكم تكاليف غير مرئية ارتفاع الإنفاق على العلاج النفسي والجسدي المرتبط بالإجهاد المزمن، تزايد حالات التقاعد المبكر، اتساع البطالة المقنّعة، وتسرب الخبرات من المؤسسات. خسائر لا تظهر فجأة، لكنها تستنزف تدريجيًا كفاءة الاقتصاد وجودة رأس المال البشري. وعلى مستوى القطاعات الحساسة، كالصحة والأمن والخدمات الحيوية، تبرز أهمية إعادة هندسة الوقت بوضوح أكبر. هنا يكون الحل في توزيع العمل على فترات أقصر ومتوازنة، تضمن استمرارية الخدمة دون إنهاك العنصر البشري. الطبيب المتزن، ورجل الأمن المستعد، والفني غير المرهق، جميعهم يرفعون مستوى الأمان وجودة الخدمة، فحين يُنصف الإنسان في وقته ينعكس ذلك تلقائيًا على أدائه.
إعادة تنظيم ساعات العمل تتجاوز كونها قرارًا إداريًا داخليًا، لتصبح أداة من أدوات السياسة العامة. وحين تُدار بمعايير واضحة وقابلة للقياس، تتحول إلى أداة لتحسين الصحة العامة، وتقليص الضغط على الخدمات العلاجية، وتعزيز الاستقرار الأسري والاجتماعي.
السياسات الزمنية الذكية تخلق أثرًا تراكميًا يتجاوز مكان العمل إلى بنية المجتمع بأكملها. ومن المهم أن يُدار هذا التحول بواقعية وتدرّج، عبر نماذج تجريبية في قطاعات محددة، تُقاس نتائجها بمؤشرات الإنتاجية وجودة الخدمة والرضا الوظيفي، نجاح التحول لا يتحقق بالقفزات المفاجئة، بل بالتجربة المنظمة، والتقييم المستمر، وتصحيح المسار دون كلفة غير محسوبة.
وفي السياق المحلي، يكتسب هذا النقاش بعدًا استراتيجيًا فالرؤية الوطنية التي تضع الإنسان في قلب التنمية تفتح المجال لإعادة التفكير في نماذج العمل بما يتواءم مع اقتصاد المعرفة وجودة الحياة.
ليس المطلوب استنساخ تجارب الآخرين، وإنما تكييفها بذكاء مع طبيعة قطاعاتنا، مع ضمان عدالة الأجور واستقرار الإنتاج وحماية الحقوق. ومن أكثر المفاهيم التي تستدعي مراجعة عميقة، ذلك الربط غير المعلن بين الجدية المهنية وطول البقاء في العمل. هذا التصور لم يعد يعكس واقع الاقتصاد الحديث، إذ يكافئ الحضور الشكلي على حساب الإنجاز الفعلي.
وفي هذا النقاش يبرز لنا سؤال أكثر حساسية: عدالة توزيع الزمن بين فئات المجتمع. الزمن، كما الدخل، مورد غير متكافئ هناك من يملكه، وهناك من يُستنزف منه يوميًا دون أن يُحسب ذلك ككلفة اجتماعية أو اقتصادية.
ساعات العمل الطويلة تُعيد إنتاج فجوات غير ملاحظة بين من يستطيعون شراء الوقت بالخدمات. ومن يدفعون أعمارهم ثمنًا للحضور الممتد. وحين تُصمَّم سياسات العمل دون مراعاة هذا البعد، فإنها تُكرّس تفاوت يتجلى في الصحة، والعلاقات الأسرية، والاستقرار النفسي.
من هذا المنظور، تصبح إعادة ضبط ساعات العمل عودة لتوزيع فرصة الحياة ذاتها: فرصة التعلّم، الابداع والمشاركة الاجتماعية، والعناية بالصحة، وبناء رأس مال اجتماعي لا يقل أهمية عن رأس المال الاقتصادي.
ولا ننسى هنا الإشارة إلى أثر العدالة الزمنية المباشر على حياة الناس وإنتاجيتهم. فالعاملون بنظام المناوبات غالبًا يفتقدون نمط نوم منتظم، مما يؤثر على صحتهم الجسدية والذهنية. والأمهات العاملات يواجهن صعوبة في التوفيق بين العمل ورعاية الأسرة، بينما الموظفون بمستويات دخل أقل يضطرون لقضاء ساعات إضافية في التنقل أو إنجاز المهام بأنفسهم. كذلك، الطلاب العاملون بعد الدوام يجدون صعوبة في الدراسة والتطوير الذاتي، والعاملون في القطاعات الخدمية غير المرنة غالبًا يتحملون ضغوطًا إضافية دون تعويض مناسب.
في المقابل، من يستطيع شراء خدمات مساعدة أو ترتيب وقت مرن يتفوقون في استثمار وقتهم لصالح الصحة والإنتاجية، إن منح هذه الفئات نماذج عمل مرنة ومنصفة، لا تحسن جودة حياتهم فحسب، بل يرتفع مستوى الالتزام والانتماء المؤسسي، وهو ما ينعكس مباشرة على استقرار سوق العمل.
في جوهر هذا الطرح، لا يدور النقاش حول عدد الساعات بقدر ما يعيد تعريف معنى العمل ذاته. تحويل النقاش من سؤال كم ساعة نعمل؟ إلى سؤال أعمق: كيف نوزّع الزمن بعدل وكفاءة؟ إذا أردنا أن تكون ساعات العمل الأقصر جزءًا من مشروع تنموي متكامل، مساحة إنتاج مستدام. لمجتمع يستعيد وقته، يستعيد صحته الجسدية والنفسية، ويؤسس لاقتصاد أكثر توازنًا واستقرارًا.
وفى الختام.. يبقى السؤال مفتوحًا أمام الجميع: ماذا لو أصبح الزمن شريكًا حقيقيًا في التنمية؟ وماذا لو أعدنا ترتيب يومنا بما يليق بقيمة الإنسان وبطموح وطن يرى في جودة الحياة ركيزة للتقدم ؟
ولأصحاب القرار، يكمن التحدي في تحويل هذه الرؤية إلى سياسات عملية، توازن بين الإنتاجية وحياة الإنسان، وتؤسس لاقتصاد متجدد يعتمد على كفاءة الإنسان لا مجرد حضوره في العمل.