سهوب بغدادي
على غرار عنوان كتاب ابن الجوزي «ذم الهوى» الذي يتحدث فيه عن مضار وسلبيات الحب والعشق والهوى التي تفسد الأبدان والألباب في حال صبت في غير طاعة الودود، وهنا أعنون مقالي بذم الراحة، بدايةً، ما تعريف الراحة؟ هي الشعور باليسر والسكينة الجسدية والنفسية، فراحة الجسد في النوم والاستلقاء بعد يوم شاق، وفي الطعام الصحي والصحة الجيدة، وما إلى ذلك، فيما نجد الراحة النفسية في القرب من الله والعلاقات الطيبة التي لا تشوبها الأحقاد والغل والحسد، وانعدام المنغصات والصعوبات، وذلك أمر مستحيل، مصداقًا لقوله جلَّ في علاه: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ}، لذا فإن الراحة النفسية تأتي من مبدأ الرضا والتسليم لله سبحانه، في هذا الموضع، قد تبدو الراحة كخطيئة في هذا العصر المتسارع، إذ يخاف البعض أن يفوِّت على نفسه شيء من الأعمال والأخبار والمناسبات وغيرها مما شابه من سائل أمور حياتنا الخاطفة، في حين يعتبر البعض الشخص الذي يطلب الراحة أو يبديها بالكسل أو اللامبالاة، وذلك أمر غير صحيح، باعتبار أن الراحة نسبية ومفهوم يختلف من شخص لآخر وكل شخص بحاجة إلى نوع من الراحة يتناسب مع جسده واحتياجاته وتهدئة وتيرة تفكيره وداخله، قد يبدو الشخص على ما يرام جسدياً إلا أنه يصارع نفسه من الداخل، ويحمل جبالًا من الهموم والأحمال غير المرئية، لذا عندما يتغيب زميلك عن العمل وقريبك عن مناسبتك، وصديقك عن اتصالك، وغيرها، قد يكونوا في أمس الحاجة إلى السكون والراحة الجسدية أو النفسية أو كلاهما، إن عصرنا الحالي، يقتحم الذات والروح ويقوِّض سكينتها من خلال المحتويات السريعة التي غزت البيوت وباتت بارزة في كل حركاتنا وسكناتنا، ففي الماضي، كانت العصرية تترافق مع فنجان شاي أو قهوة وصحيفة، أما الآن أضحت ذات العصرية مرتبطة بفنجان بارد باهت وأخبار غير منتظرة تتداخل مع دعايات ترويجية ومحتويات ذات صلة وغير صلة يتحتم عليك أن تمر بها، فلم يعد هناك وقت راحة حتى في الراحة ولا مفر من التقنية كوسيلة لتهدئة النفس من النفس، والهروب في المواقع والمواضع من الأشخاص، ختام القول، متى كانت آخر مرة ارتحت فيها؟