د. مقبل الذكير
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم، لم تعد الثروات الطبيعية وحدها هي المقياس الحقيقي لنهضة الأمم، بل أصبح الاستثمار في رأس المال الفكري هو المحرك الأساسي للنمو.
إننا نعيش في عصر تهيمن عليه «المادة الخام غير المرئية»، وهي المعرفة، التي تتحول عبر التقنية والابتكار إلى قيم اقتصادية واجتماعية ملموسة، وهو ما يمثل الجوهر النابض لرؤية السعودية 2030.
أولاً: الثلاثية المفاهيمية.. من الفكرة إلى القيمة
إن العلاقة بين المعرفة والتقنية والابتكار هي علاقة تكاملية وتتابعية، يمكن تلخيصها في ثلاثة مستويات:
* المعرفة (حجر الزاوية): هي «الفهم» وتراكم العلم والخبرة. سواء كانت نظرية أو تطبيقية، تمثل المعرفة الوقود الحقيقي للاقتصاد الحديث، حيث يبرز دور العقل البشري في تشخيص التحديات وفهم الأنظمة المعقدة.
* التقنية (الجسر التطبيقي): إذا كانت المعرفة هي الفهم، فالتقنية هي «التطبيق». هي الأداة التي تحول النظريات إلى واقع ملموس، من برمجيات وذكاء اصطناعي وأجهزة متقدمة تخدم البشرية.
* الابتكار (صناعة القيمة): هو الاستخدام الناجح للمعرفة والتقنية لخلق قيمة اقتصادية أو اجتماعية. الابتكار هو الروح التي تنقل الاختراع من المختبر إلى السوق، سواء كان ابتكاراً تقنياً، إدارياً، أو اقتصادياً.
ثانياً: رؤية 2030.. خارطة الطريق نحو اقتصاد المعرفة
تعد رؤية المملكة 2030 ترجمة حقيقية لهذه الثلاثية، حيث تهدف إلى إحداث تحول هيكلي لنقل الاقتصاد الوطني من الاعتماد الكلي على الموارد الطبيعية إلى الاعتماد على العقل البشري. إن جوهر الرؤية يكمن في بناء «رأس مال بشري» قادر على المنافسة عالمياً، والاستثمار في الإنسان السعودي باعتباره المورد الأهم والأغلى.
ولتحقيق هذا الطموح، تركز الرؤية على ثلاثة مسارات متوازية تعمل بتناغم تام:
* تطوير المهارات: عبر منظومة تعليمية حديثة وبحث علمي محرك للتنمية.
* التحول الرقمي: من خلال تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي وتوطينها لضمان السيادة التقنية.
* تمكين ريادة الأعمال: عبر بناء منظومة ابتكار تحول نتائج البحوث إلى منتجات تجارية وشركات ناشئة تخلق قيمة مضافة.
ثالثاً: الأثر الاقتصادي وصناعة المستقبل
إن الهدف النهائي من ربط المعرفة والتقنية بالابتكار داخل إطار الرؤية هو تحقيق قفزات نوعية في الاقتصاد الوطني، تشمل:
* رفع مساهمة الاقتصاد المعرفي لتصل إلى ما بين 30 % و35 % من الناتج المحلي الإجمالي.
* خلق فرص وظيفية نوعية ذات دخل عالٍ تليق بطموحات الشباب السعودي.
* تعزيز الاستدامة الاقتصادية للمملكة في مرحلة ما بعد النفط.
الخلاصة:
إن المعرفة هي «الفكرة»، والتقنية هي «الأداة»، أما الابتكار فهو «القيمة». وعندما تلتقي هذه الثلاثية مع الإرادة الطموحة لرؤية 2030، فإننا لا نصنع اقتصاداً قوياً فحسب، بل نصنع مستقبلاً مستداماً يضمن مكانة المملكة الريادية في الخارطة الاقتصادية العالمية الجديدة. إن ربط هذه العناصر ليس مجرد خيار تنموي، بل هو ضرورة حتمية للرفاهية والسيادة في قرن المعرفة.