د. فهد بن أحمد النغيمش
المخاصمةُ بينَ البعض سلوكٌ مشينٌ، والاتصافُ بها طبعٌ ذميمٌ، ومُلازِمُها بَغيْضٌ عند ربِّ العالمين؛ قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلّم: «إنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إلى اللَّهِ الألَدُّ الخَصِمُ» رواه البخاريُّ ومسلمٌ.
والألدُّ الخَصِمُ هو المُولَعُ بِالخُصومِة -وهي النِّزَاعُ والمُجادَلةُ- المَاهرُ فيها، والدَّائمُ فيها كذلِك، والألدُّ في الخصومةِ أيضاً؛ الأعوجُ فيها، وقد ذَكَرَ اللهُ تِلْكَ الصِّفةَ في المنافقِ الأخرسِ بنِ شريقٍ؛ إذْ أنْزَلَ اللهُ فيه قولَه تعالى: «وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ».
وللأسف البعض اليوم يتفاخر بأنه صاحب خصومة لا يغلب وأنه سليط اللسان لا يكسر له قوام وما علم المسكين أنه يتصف بصفات المنافق الذي هو في حالِ خصومَتِه ، يَكْذِبُ، ويَزُوْرُ عنِ الحقِّ ولا يَسْتقيمُ معه، بلْ يَفتري ويَفْجُرُ.
كما ثبتَ في الصحيحِ عنْ رَسولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلمَ أنَّه قالَ: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» رواه البخاريُّ ومسلمٌ.
ومِنْ عقوبةِ المتخاصمينِ العاجِلَةِ؛ أنّهما لا يغفرُ لهما عندما تُفتَحُ أبوابُ الجنّةِ يوميِ الإثنينِ والخميسِ مِنْ كلِّ أسبوعٍ؛ قالَ صلى اللهُ عليه وسلّم: «تُفْتَحُ أبْوابُ الجَنَّةِ يَومَ الاثْنَيْنِ ويَومَ الخَمِيسِ، فيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لا يُشْرِكُ باللَّهِ شيئًا، إلَّا رَجُلًا كانَتْ بيْنَهُ وبيْنَ أخِيهِ شَحْناءُ، فيُقالُ: أنْظِرُوا هَذَيْنِ حتَّى يَصْطَلِحا، أنْظِرُوا هَذَيْنِ حتَّى يَصْطَلِحا، أنْظِرُوا هَذَيْنِ حتَّى يَصْطَلِحا.
وفي رواية إلَّا المُهْتَجِرَيْنِ.» رواه مسلمٌ.
وما دام الانسان يعيش في هذه الدنيا فلن يخلو المرءُ مِنْ خصومةٍ يُبتلى بها، وقد تكونُ الخصومةُ في بعْضِ الأحيانِ خياراً لا بدّ منه لأخذِ الحقِّ أوْ رَدّ التّعدّي أوْ رَفْعِ الظُّلْمِ، أو لإصلاحِ الخطأِ ونحوِ ذلك مِنْ أَسبَابِ الخُصُومَةِ المشروعةِ، إلاّ أنَّ كلَّ خصومَةٍ لا بدّ أنْ تُضْبَطَ بِضَوابِطِ الشّرعِ، وأنْ يتحلّى أصحابُها بِفِقْهِ الخُصومةِ وآدابِها الشرعيةِ، وممّا يُؤسَفُ له أنَّ فِقْهَ الخُصُومَةِ، وآدابَها؛ ممّا عمّ جَهلُه، وغَابَ فَهْمُه، ونَدَرَ العَمَلُ به.
فَمِنْ فِقْهِ الخصومةِ وأَدَبِها: ألّا يَتَرتّبَ عليها هُجرانٌ وقطيعَةٌ، فهذا مما نهى الشرع عنه وحذّر منه وقد يصل الى الفجور في الخصومةِ والعياذ بالله؛ قال عليه الصلاة والسلامُ: «لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يَهْجُرَ أخاهُ فَوْقَ ثَلاثٍ، يَلْتَقِيانِ؛ فَيَصُدُّ هذا، ويَصُدُّ هذا، وخَيْرُهُما الذي يَبْدَأُ بالسَّلامِ» رواه البخاريّ ومسلم.
ومِن فِقْهِ الخصومةِ وأَدَبِها: ألّا يَحْمِلَ المُسْلِمُ في قَلْبِه على خَصْمِهِ عَداوةً وَلا بَغْضَاءَ مدة المخاصمة فالمُخَاصَمَةُ لا تَعني العداوةَ، ولا تَقتَضي البَغْضَاءَ، وَليسَ مِنْ لَوازِمِها التَّدَابُرُ والتَّقَاطُعُ؛ قالَ عليه الصلاة والسلام: «لا تَباغَضُوا، ولا تَحاسَدُوا ولا تَدابَرُوا، وكُونُوا عِبادَ اللَّهِ إخْوانًا، ولا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يَهْجُرَ أخاهُ فَوْقَ ثَلاثَةِ أيَّامٍ» رواه البخاريّ ومسلمٌ ..
وما أجمل ما ذكره لنا آباؤنا قديما حين كان المتخاصمان يركبان دابة واحدة و يذهبان للقاضي ويرجعان يتسامران بالحديث والطعام وكأنهما ليسا مختصمين، تلكم القلوب التي كانت لا تحمل حقدا ولا كراهية ولا حسدا.. وعرفوا أنهم قد ذهبوا لمعرفة الحق مع من ؟ فرحم الله تلكم القلوب السليمة البريئة الجميلة.
وَمِنْ فِقْهِ الخُصُوْمَةِ وأَدَبِها: ألّا تُؤدِّي الخصومَةُ إلى قَطْعِ الخَيْرِ عن الخَصْمِ، ولا عن غَيْرِه ممَّنْ يَتَعلَّقُ بالخصومةَ، خاصّةً إنْ كانتْ هُناكَ معونَةٌ أو أعطياتٌ ونحوُها قَبْلَ الخُصومِة فكم رأينا من أوقف معونته ومساعدته لأخت أو أخ أو فقير كان محتاجا و ذلك لأنه قد خاصمه أو جادله في الكلام يوما، وذلكم لعمري من خلط المسائل وعدم الفهم؛ فالمسلم في اعطياته يتعامل مع ربه و ليس مع البشر، و قد أخبر اللهُ تعالى عنْ أبي بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ لمّا قَطَعَ المَعُونَةَ عن ابنِ خالَتِه مِسْطَحِ ابنِ أُثَاثَةٍ؛ بسببِ تَكَلُّمِه بحديثِ الإفكِ فقال: «وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ»
ومِنْ فِقْهِ الخُصومَةِ وأَدَبِها: الحِرْصُ الشَّدِيدُ، والعزمُ الأكيدُ على أنْ يكونَ كلُّ واحدٍ مِنَ المُتَخَاصِمَينِ هو المبادِرُ والبَادِئُ بإنْهَاءِ الخُصُومَةِ وحَلّها، ونَزْعِ فَتِيْلِها، وَفَضِّ نِزَاعِها، قالَ عليه الصلاةُ والسلامُ: «من خاصَمَ في باطِلٍ وهو يَعلَمُ لم يَزَلْ في سَخَطِ اللهِ حتى يَنزِعَ.
وفي لفظٍ: مَنْ أَعَانَ على خُصومةٍ بظُلمٍ فقدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ» رواه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ.
ومِنْ فِقْهِ الخصومةِ وأَدَبِها: السُّرْعَةُ بالسَّعيِ بالصُّلْحِ بَيْنَ المُتَخْاصِمَيْنِ، وهذا ممّا أَمَرَ اللهُ بِه المؤمنينَ وأرَادَه مِنْهم، قالَ تعالى: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ»
ومِنْ فِقْهِ الخصومةِ وأَدَبِها؛ وهذا مِنْ آكدِها: الحَذرُ الشَّديدُ عن الدَّعوى الباطِلةِ التي يُرادُ مِنْها أكلُ أموالِ النَّاسِ بالباطِلِ؛ لِمَا تؤدِّي إليه مِنَ النَّارِ و قد رأينا للأسف من المتخاصمين من لا يتوانى عن الكذب او الحلف باطلا او جلب شهادات زوراً و بهتاناً ليثبت باطلا أو يقتطع جزءا بدون حق، ويظن أنه بذلك قد انتصر والعياذ بالله، عن أمّ سلمةَ رضيَ اللهُ عنها قالتْ: «سَمِعَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ جَلَبَةَ خِصَامٍ عِنْدَ بَابِهِ، فَخَرَجَ عليهم فَقالَ: إنَّما أنَا بَشَرٌ، وإنَّه يَأْتِينِي الخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضًا أنْ يَكونَ أبْلَغَ مِن بَعْضٍ، أقْضِي له بذلكَ وأَحْسِبُ أنَّه صَادِقٌ، فمَن قَضَيْتُ له بحَقِّ مُسْلِمٍ فإنَّما هي قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ، فَلْيَأْخُذْهَا أوْ لِيَدَعْهَا» رواه البخاري.
ومِنْ فِقْهِ الخصومةِ وآدَابِها عدمُ مُجاوزةِ مَوْضِعِ الخُصُومَة لا بِكلامٍ ولا سبٍّ ،أوْ طَعْنٍ ،أو انتقامٍ، أو سعيٍ في إضرارٍ ونحوِ ذلك، فهذا مِنَ الفُجُورِ في الخُصُومَةِ الذي هو مِنْ صِفَاتِ المنافقينَ المذكورةِ في قولِه عليه الصلاةُ والسلامُ: « أَرْبَعٌ مَن كُنَّ فيه كانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، ومَن كَانَتْ فيه خَصْلَةٌ منهنَّ كَانَتْ فيه خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حتَّى يَدَعَهَا: إذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وإذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وإذَا خَاصَمَ فَجَرَ» رواه البخاري ومسلم. فكون وجود خصومة بينك و بينه لا يخولك أن تنهش لحمه في كل مجلس وتغتابه و ترميه بأنواع التهم الباطلة فالمؤمن وقار وقاف يحفظ العهد ويمسك لسانه عن إخوانه المسلمين.
وَمِنْ فِقْهِ الخصومةِ وأَدبِها: الحذرُ مِنْ الخصومةِ بِيْنَ الجيرانِ؛ فقدْ جاءَ في الحديثِ أنّ النبيّ صلى اللهُ عليه وسلمَ قالَ: «أوَّلُ خَصْمينِ يومَ القيامَةِ جَارانِ» رواهُ الإمامُ أحمدُ وغيرُهُ وحسّنَهُ الألبانيُّ.
وليعلم المتخاصم أنه حين يدخل في خصام مع آخر فإنما هو داخل في غرفة أشبه بالظلام لا يهتدي سبيلا ولا يعرف طريقا فحري به أن يبحث عن المخرج و يتلمس الطريق الصحيح حتى و إن خالف هواه و دعواه و ليخلع عنه قبعة الانتصار و نشوته و كأنه داخل معركة ضروس ليثبت للناس أنه منتصر والاخر مهزوم فالحق ما ثبت بالأدلة و الشرع صدقه وليس ما أملته النفس الامارة بالسوء، فكونوا إخوة متحابين في اللين والشدة وفي الوفاق والخصام.