د. عبدالحق عزوزي
من يقرأ اليوم الصحف والمجلات الغربية ومن يتابع البرامج التلفزية المتنوعة عن الإسلام والمسلمين ستروعه الصور النمطية والنظرات السلبية التي تحملها العقول الجاهلة والحاقدة عن ديننا وثقافتنا وتاريخنا؛ وكل هذا يزيد من الكراهية ويغذي عقول الغربيين بخرافات وخزعبلات ما أنزل الله بها من سلطان.
فلماذا لا يستحضر هؤلاء النصوص المؤسسة وهم أناس واعون دائما ما يبتغون الوصول إلى الحقيقة؟ لماذا لا يستحضرون مثلاً هاته الآية الكريمة: {مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} (32) سورة المائدة. وهو تصور بالغ القوة، في الدلالة على بشاعة جريمة قتل الإنسان ظلماً بغير حق. إذ هي في هذا النص ليست عدواناً على الفرد فقط، ولا عدواناً على المجتمع كما تنص القوانين الجزائية أو الجنائية الوضعية، ولكنها شيء أكبر وأفدح: إنها عند الله سبحانه عدوان على الناس جميعاً، على الجنس البشري بأسره. وقد نقرأ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وميثاق الأمم المتحدة ولن تجد نصاً مثل هذا النص الذي يتحدث عن «النفس الإنسانية» وعن «الناس» دون تفرقة بين لون وجنس وملة، «لأنه لا فرق عنده بين نفس ونفس»، كما يقول ابن كثير، فضلاً عن أن الآية «تعلمنا ما يجب من وحدة البشر، وحرص كل منهم على حياة الجميع، واتقائه ضرر كل فرد، لأن انتهاك حرمة الفرد، انتهاك لحرمة الجميع. والقيام بحق الفرد من حيث إنه عضو من النوع، وما قرر له من حقوق المساواة فى الشرع، قيام بحق الجميع».
وفي ظل تلك الحقيقة نفهم قول النبي عليه الصلاة والسلام، فيما رواه عنه هشام بن حكيم: «أن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا»، فالعدوان على كرامة الإنسان هنا لا يكفي فيه العقاب الدنيوي -إن وجد- وإنما تلك وصمة تلاحق المعتدي في الآخرة، حيث يلقى جزاءه عند الله أيضاً.
ومن هذا المنطلق كان عقاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لواليه على مصر عمرو بن العاص، عندما ضرب ابنه صبياً قبطياً، فأصر عمر على أن يقتص الصبي القبطي من ابن عمرو بن العاص، قائلاً: اضرب ابن الأكرمين.. ثم وجه تعنيفه إلى القائد المسلم قائلاً: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟؟
وألا يمكن لهؤلاء أن يستحضروا كتب التاريخ التي تحفل بذكر النصارى واليهود الذين تبوؤوا أرفع المناصب في الدولة الإسلامية في العهدين الأموي والعباسي، الأمر الذي كثيراً ما أثار غيرة المسلمين وحسدهم لهم، وكتبوا في ذلك أشعاراً محفوظة. ونخص في هاته المقالة ذكر ما كان قد أورده الدكتور مصطفى السباعي في كتابه «من روائع حضارتنا» ونقل عن خلف بن المثنى وصفه للحلقات العلمية الشعبية التي كانت تنعقد في العهد العباسي الذي قال فيه: لقد شهدنا عشرة في البصرة يجتمعون في مجلس لا يعرف مثلهم في الدنيا علماً ونباهة، وهم الخليل بن أحمد صاحب النحو (وهو سني)، والحميري الشاعر (وهو شيعي)، وصالح بن عبد القدوس (وهو زنديق ثنوي). وسفيان بن مجاشع (وهو خارجي صفري)، وبشار بن برد (وهو شعوبي خليع ماجن)، وحماد عجرد (وهو زنديق شعوبي)، وابن رأس الجالوت الشاعر (وهو يهودي) وابن نظير المتكلم (وهو نصراني) وعمر بن المؤيد (وهو مجوسي) وابن سنان الحراني الشاعر (وهو صائبي) كانوا يجتمعون فيتناشدون الأشعار ويتناقلون الأخبار، ويتحدثون في جو من الود لا تكاد تعرف منهم أن بينهم هذا الاختلاف الشديد في دياناتهم ومذاهبهم!
ولقد عمم هذا التسامح في البيوت والأسر فكان يجتمع في البيت الواحد أربعة إخوة أحدهم سني، والثاني شيعي، والثالث خارجي، والرابع معتزلي، وكانوا يعيشون على أتم وفاق، حتى إنه لقد كان في البيت الواحد التقي والفاجر. هذا ينصرف على عبادته وذلك يستغرق في مجونه، وما تذكره كتب الأدب من هذا السبيل أن أخوين كانا يسكنان داراً واحدة، وكان أحدهما تقياً يسكن في الطابق الأرضي والآخر ماجناً يسكن في الطابق العلوي، فسهر ليلة هذا الماجن وعنده بعض أصحابه يغنون ويطربون ويضجون، مما أزعج التقي ومنعه النوم، فمد رأسه إلى أخيه الماجن وناداه: {أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللّهُ بِهِمُ الأَرْضَ} (45) سورة النحل، فأجابه الماجن على الفور: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ} (33) سورة الأنفال.