د.محمد بن عبدالرحمن البشر
كنت أتفحص الكتب المصفوفة على رفوف مكتبتي، فلمحت كتابًا صغيرًا بعنوان رسالتي وهو ملحمة بلسان ابن بطوطة، وتصفحته وتذكرت كيف وصل إلي بعد أن قرأت الإهداء من مؤلفه، وهو المرحوم الأستاذ المغربي الشاعر أحمد الصقلي، الحائز على جائزة الملك فيصل، ويبدو بترشيح من صديقه وصديقنا رحمه الله الفلوسي، وقد قاما بزيارتي في مكتبي وأهدى إلي المؤلف كتابه المذكور، وسوف نعطي لمحة عن ابن بطوطة للتذكير قبل الحديث عن الملحمة.
كان ابن بطوطة الرحالة المغربي الطنجي المشهور الذي قل من لا يعرفه حتى أنه يضرب به المثل في الترحال، قد جاب الديار فزار مدنًا من الأندلس في آخر عمره ولم يطل به المقام هناك، وعاد إلى المغرب، ثم سافر إلى إفريقيا ولم يطل المكوث، حيث أملى كتابه على العالم الأندلسي ابن جزي الكلبي الأندلسيّ، بأمر من السلطان المغربي أبو عنان، وكان في بادئ أمره قد قرر الذهاب للحج، وفي طريقه مر بتونس وتولى القضاء هناك لا سيما في الأحوال الشخصية، وكان عمره نحو ثلاثة وعشرين عامًا، ولم يكن على درجة كبيرة من العلم، لكنه درس وتبحر في العلوم في الحرم الشريف بمكة المكرمة التي مكث بها نحو ثلاث سنوات، ومنها سافر إلى آسيا وبقي سبعة وعشرين عامًا يرتحل، فكانت رحلة خالدة ومرجعًا تاريخيًا لكثير من الأمصار التي زارها، شأنه شأن السفير العباسي أحمد بن فضلان الذي ما زالت الدول الإسكندنافية تعتبر كتابه المرجع الوحيد لتاريخهم في تلك الحقبة.
ولتسطير الملحمة مناسبة ذكرها المؤلف رحمه الله، فقد تمت بطلب من المرحوم أخونا واستاذنا وصديقنا الكبير عبدالهادي التازي السفير والعالم والمحقق الذي حقق كتاب تحفة النظار، الذي يحكي فيه رحلة ابن بطوطه، والتحقيق في أربعة أجزاء وكان تحقيقًا دقيقًا وشاملاً شرح فيه كل شاردة وواردة، رغم أن الكثير قد سبقه في التحقيق باللغة العربية، ولغات العالم، فقد اتصل الدكتور التازي رحمه الله بشاعرنا مؤلف كتاب رسالتي، وذكر أن هناك مهرجانًا كبيرًا عن ابن بطوطة سوف يقام في طنجة، ويرغب منه المشاركة، لكن صاحبنا المؤلف ليس له علاقة قوية بكتاب ابن بطوطة، فأخذ في قراءته وتفحصه، باللغتين العربية والفرنسية، لاسيما باللغة الفرنسية، وعرف ما له وما عليه، ووجد أن النقاد قد تحدثوا عن ابن بطوطة سلبًا وايجابًا، وقد شمل ذلك مبالغة في الثناء، وأخرى في إبراز سلبيات الرجل، لكن صاحب ملحمة رسالتي فضل أن يأخذ الجانب الإيجابي فقط ، لأن الملحمة تتحدث بلسان ابن بطوطة، ولن يقول عن نفسه إلا خيرًا.
وعلاقة الأستاذ علي الصقلي بالأستاذ عبدالهادي التازي قديمة جدًا، فقد درسا في نفس المدرسة لكن الدكتور عبدالهادي قد سبقه بخمس سنوات تقريباً، كما تزاملا في جامعة القرويين العريقة، فالأول كان في نهاية الطريق والآخر في بدايته، وجامعة القرويين آنذاك لا يدخلها إلا المميزون من الطلاب، وهناك مكان آخر جمعهما أيضا، وهو المعتقل في مدينة سطات، حيث كانا معا في مأوى واحد، أثناء الكفاح ضد الاستعمار الفرنسي، الذي اعتقل بعض الشباب النشطين، وكان الدكتور أحمد الصقلي قد اعتقل وهو مازال صغيرًا جدًا، لهذا يطلقون عليه الطفل. وكان ذلك في عام أربع وأربعين وتسعمائة وألف للميلاد، وهي فترة نهاية الحرب العالمية الثانية.