د. هدى منصور
مع بداية عام جديد، يدخل الاقتصاد السعودي مرحلة مفصلية يتجاوز فيها حدود المفهوم التقليدي للنمو ليبني نموذجًا أكثر نضجًا يركز على جودة التوسع الاقتصادي لا حجمه فقط. فعلى مدى عقود، كان النمو يُقاس بمدى ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي وتوسّع المشاريع الحكومية والقطاعية. أما اليوم، ومع تسارع التحول الرقمي، وصعود التقنيات المتقدمة، وتزايد دور الابتكار في تشكيل القيمة الاقتصادية، باتت المملكة تتبنى رؤية مختلفة تمامًا: نمو قائم على الإنتاجية، والذكاء، والقيمة المستدامة. وهذا التحول لا يرتبط ببيئة محلية فحسب، بل يتقاطع مع تحولات عالمية بدأت تُعيد ترتيب القوى الاقتصادية، وتحوّل الذكاء الاصطناعي إلى محرك رئيسي للنمو طويل المدى.
تشير تجارب الاقتصادات المتقدمة إلى أن النمو القائم على «زيادة المدخلات» -مثل قوة العمل أو حجم الإنفاق الحكومي- يظل محدود الأثر ما لم يصاحبه نمو حقيقي في الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج (TFP). وهذا ما أدركته المملكة مبكرًا. فمنذ إطلاق رؤية 2030، لم يعد سؤال التنمية: كم ننمو؟ بل أصبح: كيف ننمو؟ وأين تتشكل القيمة؟ وما أثر هذا النمو على مستوى معيشة الفرد وقدرة الاقتصاد على الصمود؟ وقد أسهم هذا التحول في صياغة توجه اقتصادي جديد يركز على تنويع مصادر الدخل، تطوير رأس المال البشري، التوسع التكنولوجي، وتحفيز الابتكار كأعمدة لضمان نمو مستدام.
ولا يمكن قراءة التحول في النمو الاقتصادي السعودي دون النظر إلى السنوات الأخيرة، إذ حققت المملكة واحدة من أعلى نسب النمو بين مجموعة العشرين عام 2022 عندما سجل الناتج المحلي الحقيقي نموًا بلغ 8.7 %. ومع أنّ هذا رقم لافت، فإن دلالته الأعمق تكمن في أنه شكّل نقطة انطلاق نحو إعادة تقييم هيكل النمو ذاته. فالتحدي لم يكن في استمرار معدلات نمو مرتفعة، بل في بناء اقتصاد يمكنه تحقيق قيمة أعلى حتى في فترات تباطؤ النمو العالمي. وهذا ما يفسر التحول من الاعتماد على التوسع الكمي في القطاعات إلى رفع إنتاجية تلك القطاعات، بما فيها الصناعة، اللوجستيات، الخدمات المالية، السياحة، والتقنية.
وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن رفع الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج بنسبة 1 % فقط يمكن أن يضيف ما بين 35 إلى 45 مليار دولار للناتج المحلي السعودي خلال خمس سنوات، وهو رقم يفوق أثر كثير من السياسات المالية قصيرة المدى. وفي الواقع، أظهرت بيانات النمو خلال الأعوام الخمسة الماضية ارتفاعًا تدريجيًا في إنتاجية العامل السعودي، خاصة في القطاعات ذات الاعتماد المرتفع على التقنية. كما ارتفعت مشاركة السعوديين في القطاعات الواعدة، مثل التقنية والأمن السيبراني والاقتصاد الإبداعي، بنسبة تقارب 30 % منذ 2017، مما يعكس تحولًا نوعيًا في بنية سوق العمل.
يبيّن الرسم البياني أن التحول الرقمي لا يعمل بوصفه عاملًا تقنيًا معزولًا، بل كرافعة اقتصادية تتفاعل مع رأس المال البشري وجودة المؤسسات لرفع الإنتاجية الكلية للاقتصاد. ويعكس هذا المسار أن مكاسب التحول الرقمي تتحقق عندما تُترجم السياسات التقنية إلى تحسينات هيكلية في كفاءة العمل والإدارة، بما يدعم النمو المستدام ويعزز قدرة الاقتصاد السعودي على تحقيق مستهدفات رؤية 2030.
وقد ساعد هذا التحول على تعزيز مرونة الاقتصاد السعودي. فعلى الرغم من التباطؤ الاقتصادي العالمي وانكماش بعض الاقتصادات الكبرى في 2023 –2024، حافظت المملكة على مستوى متوازن من النمو، مستفيدة من قوة الإنفاق الاستثماري، وارتفاع كفاءة الإنفاق الحكومي، ونمو القطاعات غير النفطية بمعدل تراوح بين 4 % و5 % خلال العامين الماضيين. وهذا يشير إلى أن الاقتصاد بدأ يتحرر تدريجيًا من تقلبات أسعار النفط، ويتجه نحو نموذج نمو أكثر استدامة يقوم على التنويع والابتكار.
لكن التحول الأبرز - وربما الأكثر تأثيرًا على هيكل الاقتصاد - يتمثل في الدور المتصاعد للتقنية والذكاء الاصطناعي. فقد أصبحت المملكة من الدول الأكثر استعدادًا للتحول الذكي في المنطقة، بفضل البنية الرقمية الهائلة التي تم تأسيسها خلال السنوات الماضية، والتي وضعتها في مراكز متقدمة عالميًا في مؤشرات الحكومة الرقمية، الأمن السيبراني، والخدمات الذكية. ووفق تقديرات «برايس ووترهاوس كوبرز» (PwC)، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يضيف ما يقارب 135 مليار دولار إلى الاقتصاد السعودي بحلول عام 2030، أي ما يمثل نحو 12 % من الناتج المحلي المتوقع حينها.
هذه التحولات الهائلة ليست نظرية، بل أصبحت ملموسة عبر تطبيقات عملية غيرت من طبيعة الإنتاج والتشغيل. ففي القطاع اللوجستي، انخفض متوسط مدة التخليص الجمركي من 14 يومًا إلى أقل من 24 ساعة بفضل الأتمتة والتحليلات الذكية. وفي القطاع المالي، ارتفعت المعاملات الرقمية إلى أكثر من 70 % من إجمالي العمليات، مما يعكس تحولًا أعمق نحو اقتصاد لا نقدي. أما القطاع الصناعي، فقد بدأ يشهد صعود «المصانع الذكية» التي تستخدم الروبوتات وتقنيات إنترنت الأشياء، وهو ما رفع الكفاءة وخفض التكاليف وزاد القدرة التنافسية للمنتجات السعودية على المستوى الدولي.
ولا يمكن تجاهل ما أحدثته التقنية في إعادة تشكيل سوق العمل. فقد تحولت الوظائف من التركيز على المهارات التقليدية إلى وظائف قائمة على البيانات والتحليل والابتكار. وبفضل برامج التدريب الضخم، والتحول في التعليم العالي، والسياسات التي دعمت دخول المرأة سوق العمل، ارتفعت نسبة مشاركة المرأة إلى 35 % بعد أن كانت أقل من 19 % قبل سنوات قليلة، وهو معدل تفوقت به المملكة على العديد من الاقتصادات المتقدمة. كما ارتفع متوسط الأجور في المهن التقنية والرقمية بنسبة تتراوح بين 20 % و35 %، ما يعكس انتقال سوق العمل نحو وظائف ذات قيمة مضافة أكبر، ونحو اقتصاد يعتمد على المعرفة أكثر من اعتماده على المهارات اليدوية.
هذا التحول في هيكل الوظائف انعكس أيضًا على دخل الفرد. فبينما كان دخل الفرد في السعودية متذبذبًا بسبب دورات أسعار النفط، أصبح اليوم أكثر استقرارًا بفضل توسع القطاعات غير النفطية ونمو الاقتصاد الرقمي. وتشير النماذج الاقتصادية إلى أن كل زيادة بنسبة 10 % في انتشار التقنية الرقمية في قطاع ما تؤدي إلى ارتفاع إنتاجية العامل فيه بنسبة تتراوح بين 3 و4 %. وهذا يعني أن تبني التقنية - وليس توسع الإنفاق فقط - سيصبح المحرك الأساسي لرفاه الفرد السعودي خلال العقود القادمة.
ويمتد أثر التحولات الذكية ليشمل نمط المعيشة اليومي للسكان. ففي الصحة، مكّنت التقنية المملكة من معالجة أكثر من ثلاثة ملايين موعد طبي افتراضي سنويًا، كما سمحت بارتفاع دقة التشخيصات بنسبة تصل إلى 30 %. وفي التعليم، أصبحت المملكة من الدول الرائدة في إدخال المحتوى التفاعلي والمختبرات الافتراضية، كما توسع التعليم المستمر والمرن، مما عزز قدرة القوى العاملة على التكيف مع متطلبات السوق الجديدة. حتى الخدمات الحكومية تحولت إلى تجربة رقمية متكاملة جعلت المملكة في المرتبة الأولى عالميًا من حيث سرعة النفاذ إلى الخدمات الحكومية الإلكترونية وفق بعض المؤشرات الدولية.
أما على مستوى الاقتصاد الكلي، فقد أدى هذا التحول إلى تعزيز كفاءة الإنفاق العام. فمبادرات التحول الرقمي وفرت على الخزينة العامة ما يتجاوز 6 مليارات دولار خلال ثلاث سنوات، من خلال خفض الهدر وتحسين آليات الرقابة والإنفاق. وفي قطاع الطاقة، مكّنت التقنيات المتقدمة من رفع كفاءة استهلاك الطاقة وزيادة الاعتماد على المصادر المتجددة، مما يدعم التحول نحو اقتصاد أكثر استدامة وأقل كربونًا.
من المهم الإشارة إلى أن هذا التحول ليس مجرد مشروع تنموي، بل هو إعادة صياغة لدور الاقتصاد السعودي في العالم. فالمملكة اليوم لا تكتفي بكونها قوة نفطية، بل تعمل على أن تكون مركزًا عالميًا للذكاء الاصطناعي، واللوجستيات، والسياحة، والطاقة المتجددة، والابتكار الصناعي. وهذا التنويع العميق لا يقلل فقط من مخاطر التقلبات العالمية، بل يفتح أمام المملكة آفاقًا جديدة لتصبح واحدة من أكثر الاقتصادات ديناميكية في الشرق الأوسط والعالم.
إن ما نشهده اليوم هو انتقال من اقتصاد يعتمد على التوسع الكمي إلى اقتصاد يصنع قيمة مستدامة عبر المعرفة والتقنية والابتكار. وهذا التحول سيجعل نمو المملكة أقل ارتباطًا بأسعار النفط، وأكثر تماسكًا في مواجهة الصدمات، وأكثر قدرة على توفير فرص نوعية للمواطنين. ومع استمرار الاستثمارات في البنية الرقمية، والمهارات الحديثة، وتصنيع التقنية، فإن السنوات القادمة قد تحمل تحولات أكثر عمقًا مما نراه اليوم.
ختامًا، يبدو واضحًا أن العقد المقبل سيشهد انتقال الاقتصاد السعودي من رفع الإنتاجية إلى إعادة تعريف منظومة القيمة الاقتصادية والاجتماعية بأكملها. فالتحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في توظيف الذكاء الاصطناعي، بل في دمجه بذكاء داخل كل دورة إنتاجية بحيث يسهم في زيادة الناتج، وخفض التكاليف، ورفع جودة الخدمات، وتحسين رفاه المواطن دون أن يؤدي إلى تهميش العمالة أو توسيع الفوارق داخل سوق العمل. وفي موازاة ذلك، سيبرز رأس المال البشري بوصفه العنصر الأكثر حسمًا في تنافسية الاقتصاد، مع توسع كبير في الاستثمارات الموجهة نحو الابتكار المحلي والبحث والتطوير وتوطين التقنيات الاستراتيجية. وإذا حافظت المملكة على سرعة التحول الحالية وعمقها، فإن السنوات العشر القادمة قد تشهد انتقالها من اقتصاد صاعد يمتلك إمكانات هائلة إلى اقتصاد متقدم عالي القيمة، وقادر على تقديم نموذج عالمي فريد في التحول الذكي والتنمية المستدامة القائمة على المعرفة.