د. إبراهيم الشمسان أبو أوس
قد يطوي الزمن ذكر بعض أهل العلم والأدب حتى لا يعرفهم سوى القلة من أحبابهم ومريديهم، ويرد إلى ذهني الشاعر الأحسائي ابن المقرب الذي لا يقل شاعرية عن شعراء زمانه، ولم يعرفه المحدثون إلّا بعد نشر ديوانه أول مرة، والشيخ الصنيع وهو من كبار رجال العلم لم أسمع به، ولعل كثيرين غيري لم يسمعوا به؛ ولكن الله يقيِّض له من يبرز أعماله ويظهر شأنه وهو الأستاذ القدير أبو زكريا صالح بن سليمان الحجي، الذي لا أعلم أنَّ أحدًا سبقه إلى ذلك.
كتب الأستاذ أبو زكريا كتابين عن الشيخ الصنيع رحمه الله(1389هـ)، أولهما (الثمر الينيع في إجازات الصَّنِيْع)، وقد تفضل علي فأهداني نسخة منه فقرأت الكتاب وكتبت عنه في صحيفة الجزيرة، وأما الكتاب الثاني فهو (الجانب العلميّ في سيرة الشيخ سليمان الصَّنِيْع)، ويأتي هذا الكتاب الجليل ثالث هذه السلسلة المباركة، وعنوانه (الآثار الخطية للشيخ سليمان الصَّنِيْع).
وهذا الكتاب دراسة وصفية رصدية لهذه الآثار، استعمل الأستاذ في وصفه ما ثقفه من علم المخطوطات والعناية بها، وقد كان مدير جناح المخطوطات في مكتبة جامعة الملك سعود، ولم يكن مديرًا إداريًّا فحسب؛ بل كان مديرًا فنيًّا يزاول وصف المخطوطات وكتابة بياناتها بدقة شديدة، ويظهر أثر ذلك واضحًا في وقوفه عند كل عمل من أعمال الصنيع فيذكر مقاس الورق ولونه ونوع الخط الذي كتب به، ولا عجب في هذا فالأستاذ أبو زكريا خطاط ماهر عالم بأنواع الخطوط، وقد سعدت بسماع مشاركته في ندوة عن خطوط المصاحف نظمت في مكتبة الملك عبد العزيز، وسعدت بأنه كتب عنوانات بعض الكتب التي أعددتها. والأستاذ أبو زكريا عالم بالمخطوطات وتحقيقها، وكان له سلسلة حلقات إذاعية تحدث فيها عن المخطوطات، وأذكر أن زوجتي الدكتورة وسمية المنصور رحمها الله(1444هـ) استعانت به ليجيب طالباتها عن جملة من الأسئلة بمقرر تحقيق المخطوطات.
وكان من منهج الأستاذ القدير في كتابه هذا حرصه على اتخاذ أنسب طريقة للتعريف بجهود الشيخ سليمان الصَّنيع في مجال النَّسخ، وذلك بتدوين المواد العلمية المتنوعة رابطًا بين الفهرسة الوصفية والبيانات الببليوجرافية لكل مادة علمية والصورة الضوئية لأصلها الخطي. وقسم الموادّ تقسيمًا نوعيًّا، وقد كانت المواد ركامًا مختلطًا بعضه ببعض، فجعل المواد في خمسة أقسام: الكتب والرسائل، الإجازات والأسانيد، التراجم، الكراسات، النقول المتفرقة. وأعد الأستاذ أبو زكريا فهرسة للأصل الخطّيّ لكل مخطوطة، وضمنها الوصف المادي، وتاريخ الكتابة، ونوع الخط ودرجة إتقانه، وبيانات التوريق، ومعلومات الحفظ.
ثلاثة الكتب التي أنجزها الأستاذ أبو زكريا كتب نوعية مكتوبة بدقة وعناية رصيدها علم وخبرة مكتسبة في سنوات ذوات عدد، والأستاذ دقيق في مضمون كتبه وشكلها، فهو حريص الحرص كله على السلامة اللغوية، فكتبه تتصف بلغة علمية إشارية عالية السلامة اللغوية.
والأستاذ أبو زكريا يضرب مثالًا رائعًا للباحث الواصف المحلل المدقق، وهو قمين بأن يكون قدوة للباحثين في البحث النوعي والحرص على إبراز جهود علمائنا الذين هم جزء من تراثنا، وعلامة مشرقة على ما تزخر به هذه البلاد المباركة من رجال علم ومن طلاب ثقافة وعلم وأدب.
تبين لنا هذه الكتب ما اتصف به الشيخ الصنيع من دقة بالغة ومن حرص شديد على الاستقراء والتوثيق وطمأنة المتلقي عنه بصحة ما ينتجه؛ إذ هو مجاز بشهادة الشيوخ، وليس كالإجازة شيء في بيان ثقة الشيخ بتلميذه، وهذا حال يختلف عن حال الطلب اليوم الخاضع لاختبارات مقننة موقوتة، والاعتماد في طلب العلم على المراحل والسنوات، لا العكوف بين يدي المعلم حتى يطمئن إلى إتقان طالبه فيجيزه؛ ولذلك تجد من الطلاب من تناله الشهادات المختلفة؛ ولكنه مع ذلك ضعيف المهارات هش التكوين، فأنى لنا من يصنع صنع الصنيع فيكون حجة في العلم، وأنى لنا من هو حجة في الدقة والتنظيم والضبط كالحجي.
أدعو الله لأخي أبي زكريا مزيدًا من إثراء ثقافتنا، وأن يوفقه في القادم من أعماله، ولا يزال الله منعمًا عليه بمنه وكرمه.