د.زكية محمد العتيبي
ظلّت العلاقة بين النص الأدبي وسيرة مؤلفه من أكثر القضايا إشكالية في الدرس النقدي، لما تنطوي عليه من تداخل معقّد بين التجربة الإنسانية الواقعية والتشكيل الفني المتخيَّل.
ومن هذا التداخل نشأ المنهج (البيوغرافي) المسمى بالمنهج (السِّيري) الذي اتخذ من حياة المؤلف مدخلًا لتفسير العمل الأدبي، بالعودة إلى نشأته وتجربته الحياتية وظروفه النفسية والاجتماعية والتاريخية، بوصفها عناصر كاشفة عن دلالات النص وأبعاده العميقة.
يعتمد المنهج (البيوغرافي) على أدوات إجرائية متعددة، من أبرزها: دراسة السيرة الذاتية للمؤلف، وتحليل السياق الاجتماعي والتاريخي، ورصد العلاقة بين السارد والمؤلف، وتحليل الذاكرة وآليات الاسترجاع، والاستعانة بالوثائق الموازية كالرسائل والمقابلات واليوميات؛ غير أنّ هذه الأدوات، على أهميتها، تنطلق من خارج النص، ولا تتعامل معه بوصفه بنية جمالية مغلقة، الأمر الذي جعل المنهج (البيوغرافي) محلّ تحفظ داخل النقد الأدبي.
ولعلّ هذا ما يفسّر شيوعه الأكبر في (علم الاجتماع) وبقيّة العلوم الإنسانية، حيث تُعدّ السيرة الفردية مادة بحثية مباشرة لفهم تشكّل الشخصية داخل المجتمع؛ أما الأدب، فإنه لا يقدّم الواقع على نحو توثيقي، بل يعيد صياغته عبر التخييل واللغة والبناء الفني، وهو ما يجعل ردّ النص إلى حياة صاحبه وحدها اختزالًا لطبيعته الجمالية، وإغفالًا لخصوصيته الأسلوبية.
من هنا نشأ حذر النقاد الأدبيين من اعتماد المنهج (البيوغرافي) منهجًا نقديًا مستقلًا، إذ يُخشى أن يتحوّل النقد إلى تأريخ شخصي، أو قراءة تفسيرية تُهمِل اللغة والبنية والأسلوب. وقد تعزّز هذا الحذر مع بروز المناهج النصّية الحديثة التي دعت إلى قراءة النص في ذاته، ورفعت شعار استقلاله عن صاحبه، مؤكدة أنّ المعنى يُنتَج داخل الخطاب الأدبي لا خارجه.
غير أنّ هذا التحفظ لم يؤدِّ إلى إقصاء المنهج (البيوغرافي) بل إلى إعادة ضبط حدوده ووظيفته. فقد ظلّ حاضرًا بوصفه أداة تفسيرية مساندة، خاصة في قراءة الأعمال التي تُصرّح بطابعها السيرذاتي، حيث يصبح استحضار التجربة الشخصية جزءًا من أفق التلقي، لا وسيلة لإلغاء البعد الفني للنص.
ومع تصاعد الدعوة المعاصرة إلى تنشيط (الدراسات البينيّة) في العلوم الإنسانية؛ أعيد النظر في موقع المنهج (البيوغرافي) داخل منظومة النقد الأدبي؛ فالدراسات البينيّة لم تمنحه شرعية مطلقة، لكنها أخرجته من ثنائية القبول والرفض، وأعادت توظيفه ضمن مقاربات تكاملية تجمع بين السرديات، والتحليل الثقافي، وعلم الاجتماع، دون المساس باستقلال النص.
وفي هذا الإطار، ظلّ الحذر قائمًا، لكنه تحوّل من حذر إقصائي إلى حذر معرفي واعٍ، يدرك أنّ السيرة تُضيء النص ولا تُفسّره وحدها.
وتتجلّى هذه الإشكالية بوضوح في المشهد الأدبي السعودي المعاصر، الذي شهد خلال العقود الأخيرة انتعاشًا ملحوظًا في الكتابة السِّيرية والرواية السِّيرية، تزامنًا مع تحولات اجتماعية وثقافية عميقة، وقد دفعت هذه الظاهرة بعض القراءات النقدية إلى استدعاء المنهج (البيوغرافي) بوصفه مدخلًا تفسيريًا مغريًا، خاصة في الأعمال التي جعلت الذات والذاكرة في صدارة السرد، مثل رواية (الحِزام ) لأحمد أبو دهمان -رحمه الله- والروايات التي تمزج التجربة الذاتية بالبناء الروائي كما في بعض أعمال تركي الحمد.
غير أنّ هذا الانتعاش لا يبرّر توسيع المنهج (البيوغرافي) بلا ضوابط، إذ يتسم السرد السعودي المعاصر بوعيٍ عالٍ بالتخييل، وبإعادة تشكيل مقصودة للعلاقة بين المؤلف والنص، بما يجعل (الأنا) السردية كيانًا فنيًا لا مرآةً شفافة للسيرة الواقعية؛ ومن ثمّ، فإن استخدام المنهج (البيوغرافي) يظل مشروعًا فقط إذا استُخدم بوصفه أفقًا تأويليًا، لا مرجعًا تفسيريًا حاسمًا، وإذا لم يُقصِ التحليل الجمالي والسردي لصالح التفسير الواقعي.
إنّ إشكالية المنهج (البيوغرافي) قديمًا وحديثًا، لا تكمن في مشروعيته، بل في ادّعائه الاكتفاء الذاتي؛ فهو لا يُعدّ منهجًا نقديًا مستقلًا في دراسة الأدب؛ لأنه ينطلق من خارج النص ويُغَلِّب المرجع الواقعي على التشكيل الفني، لكنه يظل أداة قرائية ممكنة ومثمرة متى ما استُخدم ضمن رؤية بينيّة تكاملية، تحترم خصوصية النص بوصفه عملًا فنيًا مستقلًا، وتعترف في الوقت ذاته بأن الإبداع لا ينفصل كليًا عن التجربة الإنسانية التي أنتجته.
** **
- أكاديمية وأديبة سعودية