أ.د.عبد الله بن سليم الرشيد
من جِلّةِ الأساتيذ محمد علي سلطاني رحمه الله (ت 1422هـ/2002م)، الذي ملك عقولَ تلاميذِه بأدبِه الرفيع، وحسنِ تأتّيه إلى الموضوعات التي يدرّس، وكان -على ما أفضى به إلينا- مختصًّا بالبلاغة والنقد، ثم خشي أن يكون من (الغاوين) -وهذا لفظُه- فغيّر تخصصَه إلى النحو. وهو من المؤلفين الكبار والمحققين الثقات. وكان أحدَ من منحوني تزكيةً علمية لإكمال الدراسات العليا.
أما محمد عويس رحمه الله (أظنه توفي سنة 1413هـ/1993م) فقد خالف سائرَ من درّسونا منهجًا وطريقةَ درسٍ للنصِّ الأدبي، ولا سيما حين درّسنا مقرر (النصوص) في الدراسات العليا، إذْ كان ينظرُ إلى النصوص مجتمعةً نظرةً شاملة، رائيًا أنها أدقُّ نظرًا وأحكمُ نتائجَ.
وكان أن طلب إلينا -وكنا خمسةً فحسب- أن يأخذَ كلُّ واحدٍ ديوانًا من دواوين القدماء، فيعلّقَ عليه تعليقًا يضعُ اليدَ على أهمّ ظاهرةٍ فنيّةٍ فيه، فاخترتُ (ديوان النابغة الجعدي)، ثم قدّمت ورقةَ عمل عنوانُها (مظاهرُ الغُربة الزمانية في شعر الجعديّ)، حَظِيتْ بتقديره، وما زلتُ أحتفظُ بها، وعليها تعليقاتٌ له يسيرة.
ومن عجيبِ أمرِه ما قصّ علينا من خبر عمله في إعداد رسالة التخصص (الماجستير)، قال: إنه كان منهمكًا فيها، وقد كتب جُلَّها في أضابيرَ بخطّ يده، وكان أن اندلعت حربُ رمضان 1393 (تشرين الأول أكتوبر 1973)، فاستُدعي للخدمة العسكرية، وكان نصيبُه أن يُلحَقَ بقوات الإسناد والرصد -على ما قال- فاضطُرّ إلى أن يحملَ معه صندوقًا فيه أوراقُ أطروحتِه، وقال: إنه كان ينظرُ فيها ويضيفُ إليها في ساعاتِ الراحة وإبّانَ هدوء المعارك.
وأضاف متحسِّرًا: (وكان أن خرجنا في أحد الأيام وتركنا خيمتَنا وفيها حاجُنا، فوقعتْ عليها قذيفةٌ أحرقتْها بما فيها! ثم قال: وبذلك ضاع تعبُ سنوات، وجهدُ أيام وليالٍ، وكدتُ أنكلُ عن كتابة الرسالة، ولكني أضرمتُ العزم، فكررتُ عليها حتى أنجزتها). وهذا من أعاجيب مَضاءِ العزيمةِ وعُلُوّ الهمّة والاصطبارِ على اللأواء.
ومن الأساتيذ الذين لا يُنسون الشيخ توفيق محمد الجوهري سبْع النحويُّ الضليع الأديب الراوية رحمه الله (ت؟)، درّسنا النحو والصرف، وخُذْ ما شئتَ من علم ومتعةٍ إذا انثال شارحًا وموضِحًا، ومترنّمًا بالشعر طرِبًا لمعانيه، منبّهًا إلى ما فيه من جمال، ولا أنسى وَقْفته عند الشاهد النحويّ للراعي النميري:
أزمانَ قوميَ والجماعةَ كالذي
لَزِمَ الرِّحالةَ أن تـميلَ مـَمِيلا
فإنه حين أنشد البيتَ صار يهزُّ جسدَه يمينًا وشمالًا، كالذي يمشي العِرَضْنَةَ (وهي مِشيةٌ فيها مرحٌ واختيال)، ويردّدُ كلمة القافية مطيلًا تنغيمها (مميلا)، ويقفُ عند المعنى، ويحرّضنا على تأمّلِه واستيعابِ الصورة الفنية فيه.
كان توفيق سبع أديبًا قبل أن يكونَ نحويًّا؛ ولذلك كان يهتبلُ الفرصَ، ليخرجَ من جُسُوِّ المادة النحوية إلى طَراءةِ الأدب ولطافته. أنشدَنا يومًا قبل أن يشرع في درسِه المداعبةَ الشعرية بين محمود الخفيف ومحمود غُنيم، إذ سقى الأولُ الثانيَ شايًا خفيفًا، فقال الثاني مورِّيًا بديهةً:
اسقني شايًا ثقيلًا ... قبّح الله (الخفيفا)
وخرج منه إلى أشعار أُخرَ لغُنيم، منها قوله شاكيًا:
فكم هتفوا بمحمودٍ شُكُوكو
وما شَعَرُوا بمحمودٍ غُنيمي
كان الشيخ سبْع عالمًا جليلَ القدر، مشتغلًا بعلوم القرآن والتفسير والقراءات، فضلًا على معرفته بالنحو وسائرِ علوم العربية، مع لطفِ معشرٍ وصرامةٍ تُهيّبُ المتحدِّثَ إليه، وبشاشةٍ تحضّه على الإقدام، وكان لِلباسِه الأزهريِّ أثرٌ في إسباغ الهيبةِ عليه، وكأنما عَنَاه كعبٌ الغَنَوِيُّ إذْ قال:
إذا ما تراءاه الرجالُ تحفّظوا
فلم تُنطَقِ العوراءُ وهْو قريبُ
وكانت فيه خصلةٌ تندُرُ في الناس، كان لا يرتضي السكوتَ عن الخطأ العلمي أو الأدبي حتى لو كان مستعجِلًا مشغولًا، أو كان ذلك الخطأُ من السهل الهيّن، ومن أوابده في هذا أنني كنت وأحد زملائي واقفَين نتحدّثُ في بعض الردَهات، فمرّ بنا الشيخ سبْع، واتفق أني كنت أتمثّلُ في حديثي لصاحبي مثالَ النحويين: (أتقولُ للعِميان عقلا؟) وكسرت العين من (العِميان)، فوقف -وكان يُغِذّ خطاه- والتفت إليّ وقال: (للعُميان)، ومدّ ألفها، ثم مضى قبل أن أُجَزّيه خيرًا.
ومن أجلِ حرصِه على سلامة اللغة قدّم محاضرة عن الأخطاء في استعمال الألفاظ والتراكيب، وخصّ حروف الجرّ بكلام طويل، وحضّنا على تقويم أساليبِنا.
ولم يكنْ يكتفي بالدرس وتصحيح الأخطاء والإطراف بالأدب، بل كان يحدّثنا أحيانًا عما يجري في مجلس القسم، وكأنما كان ينفّسُ عما يجدُ، وينفثُ بعض ما يجيشُ به صدرُه، قال لنا يومًا: إن إحدى طالبات الدراسات العليا قدّمت مشروعًا عنوانه (تناقضُ النحاة)! وإن أساتذةَ القسم اعترضوا للموضوع، وسفّهوا الفكرة، وأردف: (والحقّ أنه موضوعٌ طريف، وفكرةٌ حريّة بأن يُكتَبَ فيها)، ورأيُه ذاك كشف أنه -وهو النحويُّ المُفْلِق- ذو صدرٍ رحب، وعقلٍ مرِنٍ، ولن يضيرَ النحوَ ولا النحويين أن يُكتَبَ في ذلك الموضوع.
ومما أتذكر أنني شاركت في صحيفة حائطية، فاخترتُ قصيدةَ رشيد الخوري بعد أن حلق شاربيه، ومنها:
قالوا حلقتَ الشاربيـن ... ويا ضياعَ الشاربينِ
فأجبتهم بل بئس ذان...ولا رأتْ عينايَ ذَينِ
الآكلَيْن الشَّارِبَيْـن... الطالعينِ النازلَينِ
إن ينزلا دخلا فمي... أو يعلُوا التطما بعيني
وإذا أردتُ الشربَ يمتصّان كالإسفنجتينِ
فخطَّ بعض الطلبة بجوار القصيدة: (بئس الاختيار)!
ولما دخل علينا الشيخ سبْع، وكان مرّ بالصحيفة، وقرأ القصيدةَ والتعليقَ، قال: (بل بئس «بئس الاختيار»)، وما كان أسعدني بتعليقه الذي شفى الغليل! ولهذه الخصلةِ فيه، ولحبِّه للأدب وغزارةِ محفوظه وحسنِ اختياره لجيّده، كانت محاضرتُه من متعِ الدنيا التي تشترى. رحمه الله.
ومن الأساتيذ الشاعر الرقيق الناقد المبدع أنس داود رحمه الله (ت 1413هـ/1993م).كان خافتَ الصوت، رقيقَ حواشي الكلام، دائمَ الابتسام، لم أرَه عابسًا ولا غاضبًا، ولم يكن مرورُه بنا إلا كمرّ السحابة، تُظِلُّ وتهطل، وتَعِدُ الخصبَ، درّسنا مرتين، فأفدنا منه فوائد جمّةً في النقد، ولا سيما ما اتصل بالأسطورة في الشعر، إذْ كانت موضوعَ أطروحته.
وكان لظرفِه وطيبِ نفسِه يُسمعُنا في مطالع المحاضرات وفي تضاعيفِها بعضَ شعره، ومنه قصيدةٌ علِق بذهني منها قوله:
أحملُ جَعبةَ أيامي مرتحلًا
إني لا أنصبُ في القَفْرِ خيامي
لكني أعبرُه مبتهلًا أن يدركَه الغيثُ الهامي
وفي أثناءِ دراستي في مرحلة التخصص (الماجستير) مرض بسرطان الدم، فنوّم في مستشفى الشميسي بالرياض، فزرته مصاحبًا أحدَ الزملاء، وعلى أنه كان في حال رهَقٍ ودنَف لم تفارقْه بشاشةُ الوجه، ولا سماحةُ المُحيّا، ولا طيبُ الحديث، ولولا التأدُّبُ بآداب العيادةِ لأطلنا القعودَ عنده؛ لما رأينا فيه من سَجاحة الخلُق، ونقاء النفس، والبهجةِ برؤيتنا، رحمه الله.
ومن أساتذة الكلية القدماء الشيخ عبدالعزيز الشعلان -متّعه الله بالعافية- الذي كان شديدَ الشَّكِيمة في لُطفٍ، حازمًا ليِّنًا في آنٍ، يُرخي حبلَ البشر في وجوهنا، ويشدُّه إليه إذا رأى ما يستدعي الجهامةَ والتقبُّضَ، وهو حريصٌ حرصًا ظاهرًا على إفادة طلابه، يستنهضُ هِمَمَهم، ويوبّخ المقصّرَ منهم، بلا تعالٍ ولا استكبار.
ولي معه خبرٌ طريف، إذْ كان يدرّسنا علمَ البديع في مقرر (البلاغة) في السنة الأولى (1403-1404هـ)، وكنتُ من قبلُ نظمتُ قطعتين مستجيبًا لطلب أحد الأصدقاء من كلية الشريعة، في مدح أستاذٍ له اسمه (أحمد طه)، مطلع الأولى:
أحمدُ فيك اللهَ يا أحمدُ
فأنت نعم العالمُ السيِّدُ
ومطلع الأخرى:
رياضُ العلا يا قومُ فاح شَذاها
و(طهَ) بسبْقِ العالَمين وَطاها
فكان أن طلب أستاذُنا الشعلان في اختبار (أعمال الفصل) إيرادَ شاهدين على الجناس التامّ، فاستلَلْت القلم، وأسَلْتُ لعابَه كاتبًا:
(الشاهد قول الشاعر:
أحمدُ فيك الله يا أحمدُ
فأنت نعم العالمُ السيِّدُ
وقول الآخر: وطه بسبْق العالمين وطاها)
فلما جاء الأستاذ بأوراق الإجابات مصحَّحةً، وشرع يسرد ملحوظاتِه، ويورِد تنبيهاتِه، سكتَ سكتةً متأمِّلًا الوجوه، ثم قال: (أيُّكم عبدالله الرشيد؟) فتردّدت قليلًا في الإفصاح عن نفسي، غير أن بسمة لطيفةً ارتسمتْ على شفتي الأستاذ جرّأتني، فأشرتُ إليه رافعًا كفّي. فقال: أشكرك يا بُنيّ. ثم قال للطلاب: لقد جاء زميلكم بشاهدين لم أقرأهما من قبلُ، وهذا ممتاز، اقرؤوا يا أبنائي، وزيدوا ذخيرتكم.
ذلك موقفٌ لا يُنسى، وما زلتُ أشعرُ بأثره الحميد في نفسي حتى يومي هذا. وفيه أمارةٌ على دقّة الأستاذ في تتبّعه لما كتبَ الطلاب، وحرصِه على الإفادة، وتشجيعه للجديد.
وبعد حينٍ من الدهر -لما صرتُ رئيسًا لقسم الأدب- أخبرتُ أستاذَنا خبرَ تلك الإجابة المفترعة، وأطرفتُه بحيلتي اللذيذة، فضجّ ضاحكًا، وقال: يا عبدالله، لو صرّحتَ في الإجابة أنهما لك لزدتُ في الثناء عليك.
ولحيلتي مع أستاذنا الشعلان أخواتٌ سبَقْنَها وأخرياتٌ لحقْنها، (فظُنّ خيرًا ولا تسألْ عن الخبر).
- (للحديث صلة)