حصة مروان السديري
اشتهرت مدينة الطائف بجمالها وسحرها على مرّ العصور، فهي مدينة قامت على ظهر جبل غزوان الذي يبلغ ارتفاعه نحو ستة آلاف قدم، وتحفّ بها أودية خصبة وفّرت لها بيئة مثالية للإنتاج الزراعي الواسع، فغدت واحة خضراء في قلب الحجاز.
وقد عبّر الرحالة الغربيون عن دهشتهم من جمال الطائف وطبيعتها. يقول الرحالة رتر في وصفه لها:
«رأيت في بساتين الطائف ما لم أره في سائر أرجاء الجزيرة العربية. فقد شاهدت أشجار اللوز والخوخ تزدحم بالأزهار المنفتحة، وعجبت لجمال الربيع في هذه البقعة من الجزيرة العربية المحرقة المجدبة، حتى قلت لرفيقي إن ما يزعمه أهل مكة عن الطائف بأنها كانت فردوسًا من رياض الشام، حمل على أجنحة الملائكة إلى الحجاز حقيقة واقعة».
كما يذكر الرحالة بركهارت أن الطائف كانت أجمل ما رآه خلال رحلته من لبنان إلى الحجاز، لما فيها من بهجة وبهاء. وكان العنب أبرز ما اشتهرت به الطائف زراعيًا، إذ مثّلت شجيرات الكروم ثروة مهمة منذ العصر الجاهلي، واشتهر أهلها بصناعة الزبيب وإتقان أسرار تجفيف العنب حتى بلغوا في ذلك غاية الجودة. ويشيد ياقوت الحموي بزبيب الطائف، ويقول إنه «يضرب بحسنه المثل». وكان معظم إنتاج الزبيب يُنقل إلى مكة، حيث كان أهلها يعتمدون عليه لتحلية مياه الآبار التي ترتفع فيها نسبة الملوحة، خاصة قبل موسم الحج، إذ كانت تُستورد كميات كبيرة من الزبيب ليُحلى به الماء الذي يشرب منه الحجاج. وكذلك اشتهرت الطائف بتربية النحل واستخراج العسل، الذي كان أحد أهم مصادر ثروتها. وتشير الروايات إلى أن أصحاب المناحل كانوا يؤدون لرسول الله – صلى الله عليه وسلم - عن كل عشر قربٍ من العسل قِربةً واحدة. ولا يقل شأن صناعة العطور عن ذلك، فقد عُرفت الطائف بصناعة الطيب، وكانت تصدّر منتجاتها غالبًا إلى مكة، حيث تُستخدم في تطييب الكعبة المشرفة، وكان أثرياء قريش يحرصون على اقتناء الطيب والتزين به. ومن أشهر ما ارتبط بذلك خلط ماء زمزم بماء الورد لغسل الكعبة. ومع جمال الطبيعة واعتدال المناخ، أصبحت الطائف مصيفًا للأثرياء وكبار القوم منذ الجاهلية وصدر الإسلام، فشُيّدت فيها القصور الفخمة. وقد ابتنى أثرياء قريش قصورًا في الطائف يقضون فيها موسم الصيف.. وتروي الروايات أن العباس بن عبدالمطلب كان له كثير من العقارات فيها، كما تذكر الروايات ممتلكات لعمرو بن العاص، ومن بينها بستان كبير في وادي الوهط، وكذلك لمعاوية بن أبي سفيان.
واستمرّ هذا الدور التاريخي للطائف حتى العصر الحديث، فحافظت على مكانتها مصيفًا، وأصبحت مصيفًا لملوك المملكة العربية السعودية منذ عهد الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- وتواصل ذلك في عهود أبنائه من بعده، فغدت الطائف بحق «مصيف الملوك»، تجمع بين سحر الطبيعة وعمق التاريخ.