د.عادل بن علي الغامدي
أقصد بالعادات جمع عادة وهي النمط من السلوك المكرور وهذا السلوك قد يكون طقسا من الطقوس أو نوعا من أي نشاط بشري، والمعطى الثابت فيها أنها مكرورة تترسّخ في جدول الإنسان وتحفر مكانها بقوة وصرامة وتتحول مع مرور الوقت إلى روتين وخطة عمل جاهزة. وحتى نفهم كيف تنشأ وكيف تتحول إلى نمط مكرور لابد لنا أن نراقب طريقة الإنسان ونفهم جوانب من خصائصه في بناء حياته، فالإنسان كائن اجتماعي لا يستطيع استخدام كثيرا من خصائصه البشرية وجوانب من عبقريته ومزاياه إلا من خلال مجموعة بشرية يتعايش معها، فإنسانيته لا تتحقق إلا من خلال العيش مع الناس، وهذا العيش يتخذ شكل النمذجة؛ أي تأطير السلوك في نماذج وقوالب تتخذ نمطا مكررا، وهي مشدودة إلى ثقافة معينة تلائم حاجات إنسانها وخصائصه، وهذا ما يجعل هذه المجموعة البشرية تفعل الأشياء نفسها؛ يأكلون بالطريقة نفسها ويفكرون بطرق مشابهة ويمارسون هواياتهم ويقضون أيامهم ويبنون مساكنهم من خلال هذه القوالب المتفق عليها سابقا؛ لتغدو مثل القانون غير المكتوب، وهكذا تنسج قوانين الجماعات وتصبح الجماعة وحدة ثقافية واحدة وتصدر عن هوية محددة.
وعلى مستوى الفرد يألف الإنسان العادة المكرورة؛ فهو يبني سلوكه وتجارب حياته كما يبني مسكنه، حتى إذا انتهى منه سكنه وألفه وألف العيش فيه. إن تكرار ما نفعله - حتى لو كان تفصيلا بسيطا؛ مثل شرب القهوة في وقت محدد أو الذهاب يوميا إلى المكان نفسه أو أكل نوع من الطعام في وقت معين - يعفينا من قلق التجربة الجديدة التي لا نعرف عواقبها، فالعادات السلوكية تجارب مضمونة، كما أن التكرار مريح للإنسان؛ وذلك لأنه يكيّف نفسه ويؤطر مشاعره حتى تتواءم مع هذه النماذج السلوكية، ويظل يعيدها حتى تترسخ مع عوالقها النفسية في داخله، فتصبح طقسا نفسيا مريحا وسهلا؛ كأن تذهب إلى ركنك الخاص في محل خاص لتشرب نوعا محددا من القهوة؛ لتحس بهذه الطريقة بالراحة.
لا شك أن الحياة المقولبة المكدسة بالنماذج السلوكية المكرورة مريح ومناسب لفرد ينشد الراحة ولا يريد المغامرة في كل يوم بتجربة جديدة ومشاعر مختلفة، لكن الأمر يتحول في كثير من الحالات إلى سجون قاسية ومؤلمة تحرم صاحبها من خيارات مختلفة ونظر مختلف، ويزداد الأمر إيلاما إذا صاحبها حذر مبالغ فيه وإيثار للسلامة وبعد عن المفاجآت، حينها يغدو الإنسان كائنا آليا مسلوب الحياة أو متعة الحياة، يسير في خطوات مكرورة ونمط يومي معاد لا يستطيع الخروج منه، بل قد يعاني إذا أخلّ ببعض تفاصيله. والأمر لا يقتصر على مجرد تكرار عادات حياتية، بل يتعدى ذلك إلى بناء الأفكار وتوجيه المشاعر، فهذه السجون تكيّف أحكام الإنسان الشعورية ويصبح التخلص منها أو التحرر من منطقها أمرا بالغ الصعوبة ثقيلا على النفس، نحو سير الإنسان المحموم للإحساس بالسعادة أو الراحة الذي يلتبس بقيود العادات، فهي تسلب منه التفكير الحر وتشوّش حاجاته الحقيقية وما يريده فعلا، وهذا ما يوصله في بعض الحالات إلى الاكتئاب والاختناق حين تضيق عليه حياته في دائرة سلوكية تضيق عليه بالعادات المكرورة كل ما زاد عمره. والأخطر من ذلك كله (بناء الخطابات)؛ فقد مثلّت العادات حواضن ثقافية لبناء خطابات المجتمع فنشأ بعضها متأثرا بأنماط معينة من هذه العادات؛ نحو تأثر خطابنا الأخلاقي بعاداتنا في الكرم والشجاعة وما يماثلها، وتأثر خطابنا القيمي وأعني به طريقتنا في بناء أحكامنا القيمية نحو الصحيح والخطأ والأحسن والأسوأ؛ فما كان مخالفا لهذه العادات قد نسمه بالخطأ أو القبح وننفر منه وما كان موافقا لعاداتنا جميل وصائب، ولهذا كانت فعالية كسر العادات فعالية ثقافية شديدة الثراء؛ لأنها تمنحنا عيونا جديدة ونوافذ مختلفة؛ لنرى من خلالها أشياء جديدة، بل إن الأمر يغدو مثيرا مثل إثارة الهرب من سجن شديدة الحراسة، وهذا ما جعل عملية التغيير ودفع الناس لخوض مغامرات جديدة أمرا في غاية الأهمية، ولعلي لا أبالغ إذا عددت بعض المناسبات الدينية تشريعا للخروج من النمطي وكسر المألوف المكرور؛ نحو عبادة الصوم التي تزورنا سنويا؛ لتنتشل المسجون في عاداته المريض برتابة سلوكه فتخرجه إلى تجارب مختلفة وطريقة جديدة، وكذلك العيد والحج وهي عبادات شديدة الثراء، وثراؤها يكمن في كسر المألوف والسائد. كما نجد مشاريع ثقافية أخرى تقدم الرؤية نفسها كسر المألوف والخروج من هذه السجون الرتيبة، نحو السفرالتعليم وغيرها، ويظل الإنسان هو المالك المؤثر في قراره للخروج من هذه السجون أو البقاء فيها كئيبا منهكا يعيد الخطوات نفسها كل يوم ممسكا بكوب القهوة نفسه بالجلسة نفسه بالأفكار نفسها كل يوم..