أ.د.عمر بن عبدالعزيز المحمود
يقول عبدالقاهر الجرجاني في الدلائل: «واعلمْ أنك لا تَشْفي الغلَّة، ولا تنتهي إِلى ثلجِ اليقين، حتى تتجاوزَ حدَّ العلمِ بالشيء مجملاً إِلى العِلْم به مفصَّلاً، وحتى لا يُقنِعَك إِلاّ النظرُ في زواياه، والتغلغل في مكامنه، وحتى تكون كمَنْ تتَبَّع الماءَ حتى عرَفَ منْبَعه، وانتهى في البحث عن جوهر العُود الذي يُصنَع فيه إلى أن يعرِفَ منْبِتَه، ومجرى عُروقِ الشجر الذي هو منه».
تضعنا هذه العبارة أمام جوهر النظر النقدي بوصفه مساراً معرفياً يتطلّب الصبر والمكث، ويستدعي انتقالاً واعياً من ظاهر الأشياء إلى أعماقها، فالمعرفة هنا ثمرة تتبّع طويل وليست حصيلة اطلاع عابر، يشبه ما أشار إليه عبدالقاهر من ملاحقة الماء حتى منبعه، ومن تتبّع العود حتى منبت أليافه الخفيَّة، في هذا التصور يغدو النقد فعل صحبة للنص، ومعايشة لبنيته، وإنصاتاً لتفاصيله الدقيقة، حيث يتكوّن الاكتشاف عبر التغلغل الهادئ، وتتشكّل الرؤية من خلال الفهم المتدرّج، وتنبثق البلاغة من قدرة الناقد على الإحاطة، لا من سرعة الحكم أو وفرة المصطلح.
في التجربة النقدية العميقة، لا يكفي أن يمرّ القارئ أو الباحث على الظواهر مروراً سريعاً، ولا أن يكتفي بصورةٍ عامةٍ للموضوع؛ لأن المعرفة التي تُنال على هذا النحو تظلُّ معرفةً ناقصة الأثر، محدودة الامتداد.
عُمق النظر يتكوّن حين تتحوّل القراءةُ إلى إقامةٍ طويلةٍ في النص، وحين يصبح الاكتشاف ثمرة صبرٍ وتأمّل، وحين يشعر الناقد أن كل زاوية من زوايا العمل تستحق التفاتة مستقلة، وأن التفاصيل الصغيرة قادرةٌ على كشف ما تعجز عنه النظرة السريعة.
النقد في جوهره فعل كشفٍ وتدرّج، يبدأ بإحساس أوليّ يوقظ الفضول، ثم يتنامى عبر تتبّع البنية، واستكشاف العلاقات، والإنصات إلى ما يقوله النص في طبقاته المختلفة، هذا المسار لا يتعجّل النتائج، ولا يتعامل مع النص بوصفه مادةً جاهزة، وإنما ينظر إليه بوصفه كائناً حيّاً، تتداخل فيه الأصوات، وتتشابك فيه الدلالات، وتتخفّى فيه الإشارات التي تحتاج إلى عين خبيرة كي تُرى، هنا تظهر بلاغة الاكتشاف، بوصفها حصيلة تراكم معرفي وشعوري طويل.
حين ينتقل النظر النقدي من المجمل إلى المفصَّل، تتغيَّر طبيعة العلاقة مع النص، فالفكرة العامة تتحوَّل إلى شبكة من المعاني الجزئية، والصورة الكبرى تتوزَّع على مشاهد دقيقة، واللغة تكشف عن طاقتها الكامنة في الاختيار والتركيب والإيقاع، في هذا المستوى يدرك الناقد أن كل عنصر يؤدي وظيفة محددة، وأن الانسجام الظاهري يخفي وراءه نظاماً معقّداً من التوازنات، هذا الإدراك يمنح القراءة عُمقها، ويجعل الاكتشاف تجربةً معرفيةً وجماليةً في آن واحد.
بلاغة الاكتشاف تظهر بوضوح حين يتعامل الناقد مع النص بوصفه فضاءً مفتوحاً للتأويل المنضبط، فالتأويل هنا لا يقوم على القفز إلى النتائج، وإنما يعتمد على تتبّع الشواهد، وربطها بسياقها، وفهم موقعها داخل البنية الكلية، فكل تفصيل يصبح مدخلاً لفهم أوسع، وكل ملاحظة جزئية تفتح أفقاً جديداً للفهم، ومع هذا التراكم تتشكَّل رؤيةٌ نقديةٌ متماسكة، قادرةٌ على الجمع بين الحسِّ الجمالي والدقة التحليلية.
عُمق النظر النقدي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالصبر بوصفه ممارسةً واعية للقراءة المتأنية، النصوص الكبيرة تمنح أسرارها على مراحل، وتكشف طبقاتها لمن يملك القدرة على المتابعة والعودة والمراجعة، ومع كل قراءة جديدة، يظهر جانب لم يكن حاضراً من قبل، وتتغيَّر بعض الأحكام، وتتضح بعض العلاقات، هذا التحوّل المستمر جزء من متعة النقد، وجزء من بلاغة الاكتشاف التي لا تستقر عند حدّ واحد.
وفي هذا السياق تتبدّى قيمة المعرفة المفصّلة، فالمعرفة العامة تضع القارئ على عتبة النص، أما المعرفة المتعمّقة فتدخله إلى قلب التجربة، وحين يعرف الناقد منابت الصور، وأصول الأفكار، ومسارات التحوّل داخل العمل، يصبح الاكتشاف نتيجةً طبيعية لهذا الإحاطة، يشبه ذلك تتبّع الماء في مساره الكامل، من لحظة ظهوره إلى لحظة جريانه واستقراره، حيث تتضح الخصائص، وتنكشف الأسباب، ويتكامل الفهم.
بلاغة الاكتشاف النقدي لا تعتمد على اللغة المزخرفة، ولا على الأحكام القطعية، وإنما تقوم على قدرة الناقد على الإشارة الدقيقة، والتسمية الواعية، وبناء الجملة التحليلية التي تحمل الفكرة دون إثقال، هذه البلاغة هادئة عميقة، تستمد قوتها من وضوح الرؤية، ومن إحساس القارئ بأن ما يُقال نابع من معايشة حقيقية للنص، لا من قراءة عابرة أو موقف مسبق.
عند هذا الأفق يغدو النقد تجربةً فكرية وجمالية مكتملة، يتسع فيها الأثر، ويمتلئ بها وجدان القارئ، وتكتسب النصوص حياةً أعمق، فيما يزداد الناقد ألفةً مع أدواته وقدرته على الغوص، وهنا يتحول النظر النقدي إلى وعيٍ يقظ، وتتجلّى البلاغة في انسجام العمق مع الوضوح، وفي تآلف التحليل مع الدلالة، وفي اقتران المعرفة بالمتعة، وفي هذا المقام يبلغ الاكتشاف ذروته، ثمرة نظرٍ طويل، وصحبةٍ صبورة، وشغفٍ هادئ بالوصول إلى جوهر التجربة.