د.منال بنت فهيد آل فهيد
رثى دريد بن الصمة أخاه، لكنه لم يطق كتمان ما في نفسه من لوم وعتاب، وهو معنى لا يشيع توظيفه في قصائد الرثاء، فيمكن عدَّ ذلك خروجًا عن العرف الرثائي.
إذ إنَّ المتوقع في القصيدة الرثائية أن تكون خالصة في ذكر محامد المتوفى، وتمجيده، وبكاء الفقد الذي أحدثه موته.
لكن دريد بن الصمة اختار أن يلوم أخاه ويعاتبه لأنه كان المتسبب فيما حدث، وذلك بإصراره على تعريض نفسه للخطر، واختار كذلك أن يزاحم أخاه في القصيدة التي كان هو غرضُها الأساس، فأظهر دريد نفسه بصورة الناصح لأخيه، الذي كان بحكمته يعرف مآل المخاطرة بنفسه وبقبيلته، ثم زاد على ذلك بأن جعل فجيعته وحزنه على أخيه مركز القصيدة، والقارئ لا تكاد تلفته الأبيات التي مدح فيها دريدٌ أخاه بقدر الأبيات التي اشتهرت وذاعت في مخالفة أخيه لرأيه وإذعانه لمطاوعة قبيلته في اختيارهم للحرب، وكذلك الأبيات التي عبر فيها في هذه القصيدة وسواها عن تهديده ووعيده بأخذ ثأر أخيه، فكأن دريدًا أصبح بذلك مركز القصيدة ومحورها.
وحتى نربط القصيدة بسياقها، فقد خرج عبد الله وقد كان له أسماء أخرى يتسمى بها كـ (عارض)، مع أخيه دريد وجماعة من عشيرته، فأغاروا على بني غطفان، واستاقوا إبلهم. وعند مكان اسمه منعرج اللوى، نزل عبد الله ليقسم الغنائم، فنهاه أخوه دريد، وحذره من لحاق غطفان بهم، ولكنه أصر، ففاجأتهم غطفان في هذا المكان، واحتدمت معركة قُتل فيها عبد الله، وحاول دريد أن ينقذه، ولكن الموت سبقه إليه، كما تقول القصة. وسأختار للقصيدة رواية أبي زيد القرشي التي أدرجها في باب المنتقيات من كتابه (جمهرة أشعار العرب).
وبدأ الظهور اللافت لذاتية الشاعر في الأبيات التي استرجع فيها قصة الوفاة في بداية القصيدة حيث يقول:
نصَحْتُ لعارِضٍ وأصحابِ عارِضٍ
ورَهطُ بني السوداءِ والقومُ شُهَّدي
فقلتُ لهم ظُنُّوا بألفي مُدَجَّجٍ
سَراتُهُمُ في الفارِسِيِّ المُسَرَّدِ
فالشاعر هنا يسرد حكاية موت أخيه، مسترجعًا القصة من بدايتها، حيث كان دريد يقوم بدور الناصح الصادق لأخيه عارض وأصحابه، إذ نصحهم بأن يتركوا المواجهة والحرب، محذرًا إياهم قائلًا: ظُنُّوا أي أيقنوا واعلموا أنكم ستقاتلون ألفي مدجج من خيار فرسانهم الذين يتسلحون بدروعهم الفارسية، وقد أشهد القوم على نصيحته وتحذيره، وكأنه استبق بهذا التشهيد بأنه سيلام لاحقًا على تركهم يخوضون المعركة دون الأخذ بيدهم، أو كأنه أراد أن يخرج نفسه من اللائمة حيث قُتل أخوه، ثم يقول:
فلمَّا عَصَوني كنتُ منهم وقد أرى
غَوايَتَهمْ، وأننَّي غير مهتدي
وتأتي مفردة العصيان مظهرة انزعاجه من مخالفتهم لأمره ورأيه، ولكن المفارقة أنه لم يقابلهم بمثل ما فعلوا، وإنما وصف وقوفه وانحيازه إليهم على الرغم من عصيانهم الظاهر بأن قال: (كنتُ منهم)، في خضوع مدهش لقانون القبيلة التبعي، ومقابلة بين فعله وفعلهم بأن كان واحدًا منهم دون أن يؤثر عصيانهم على موقفه العاطفي تجاههم.
وفي اختياره لـ(عصوني) معتبرًا نصيحته أمرًا لهم لعلمه بأن مُطاعٌ في قومه، ولكنه جاراهم على غوايتهم ولم يقدر على مخالفتهم حتى لا يُتهم بالجبن والخوف، ولم يعرف القوم قدر نصيحته إلا (ضحى الغدِ) حيث لات حين مندم.
ثم يسوغ موقفه في موافقتهم على غوايتهم، ببيته الذي (طارت شهرته):
وهل أنا إلا من غَزِيَّةَ إنْ غَوتْ
غَوَيتُ وإنْ تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أَرْشُدِ
فالوحدة القبلية ضرورة اجتماعية لم يجد دريد بدًا عنها، وانشقاقه عن القبيلة حتى مع صواب رأيه، حريةُ لا يملكها الشاعر ولا يستطيع مجابهتها، بل عليه أن يقف في صف قبيلته في غوايتها ورشدها على حد سواء، وفي سؤاله: (وهل أنا إلا...) تسويغٌ واضح، يبرئ فيه موقفه، وكأنه يسائل نفسه أو يفترض أن أحدًا سأله على خوضه الحرب معهم مع رأيه الذي يتعارض مع فعله، فكان هذا الجواب الذي يفيد بأنه خاضع لقانون قبيلته.
ثم يعود للقصة فيجعل مشهد سقوط أخيه من على خيله، مشهدًا مركزيًا تبدأ من لحظته سيرة الفزع والجزع الطويل:
تَنَادوا فقالوا: أَرْدَتِ الخيلُ فارسًا
فقلتُ: أعبدُ اللهِ ذلِكمُ الرّدي؟
وفي البيت مشهدٌ تمثيليٌ يتنادى فيه الفرسان بأن فارسًا قد تردَّى وسقط ميتًا من خيله، فبادرهم الشاعر بسؤال المترقب المستبق لحدوث ما كان يخشاه: (أعبد الله ذلكم الردي؟)، وعبد الله هنا هو عارض الذي سماه في بداية القصيدة، الذي أصر على خوض هذه الحرب.
فَجِئْتُ إليهِ والرِّماحُ تَنُوشُهُ
كَوَقْع الصَيَاصِي في النسيجِ المُمَدَّدِ
وكنتُ كَـ ذاتِ البَوِّ رِيْعَتْ، فَأَقْبَلتْ
إلى جَلَدٍ من مَسْكِ سَقْبٍ مُقَدَّدِ
فيصف فجيعته حين رأى أخاه وقد أصابت منه الرماح كما تصيب إبرة الحائك في القماش، مركزًا على ألمه ومشبهًا فجيعته بالناقة التي رُوِّعت في مقتل ابنها، كأن عقله غاب كما يقع في الحيوان بعد فقده صغاره، فتروع وتقبل على حبل بالٍ صُنع من جلد سقب ظنًا منها أنه صغيرها، وكذلك دريد عندما رأى أخاه قد نالت منه الرماح وقتل، أدخله ذلك في نشاط مضاعف لمحاولة إنقاذ أخيه، وبداية آنية لأخذ ثأر أخيه:
فَطَاعَنْتُ عَنْهُ الخَيْل حتى تَنَفَّسَتْ
وحتى عَلَاني حالكُ اللونِ أسودِ
قِتال امرئٍ آسى أخاه بنفسِهِ،
ويعْلَمُ أنّ المرْءَ غيرُ مُخَلَّدِ
ويأتي التركيز في هذه الأبيات على بلائه الفدائي في الحرب، حيث طاعن الخيول ليأخذ بحق أخيه، حتى علاه اللون الأسود من كثرة الدماء، ويصف تفانيه بعبارة يثني فيها على إخلاصه: (قِتال امرئٍ آسى أخاه بنفسِهِ)، فهو يتماهى مع أخيه معرضًا نفسه للموت ليأخذ بكرامة أخيه، موقنًا أن الموت في سبيل الدفاع عن أخيه لهو الكرامة بعينها.
وما يؤكد حضور دريد على حساب أخيه في مرثيته، أنه من بين أبيات القصيدة لم يفرد أخاه إلا بستة أبيات خالصة في تأبينه -يمكن الرجوع إليها في القصيدة-. فطغى بذاتيته على فضاء الشخصية الأساسية في هذه القصيدة الرثائية، واستأثر لنفسه ببقية الأبيات إما لومًا لأخيه، أو تركيزًا على حزنه وفجيعته، خاتمًا القصيدة ببيت يتجلى فيها دافع نفسي لافت، رغب دريد حتى في البيت الأخير من القصيدة أن يتأكد من كمال صورته حيث يقول:
وَطَيَّبَ نفسي أنّني لم أقلْ لهُ
كذبتَ، ولم أبخل بما ملكت يدي
فالذاتية صارخة في الختام، ونفسه طيبة مرتاحة لعلمه أنه لم يخالف أخاه فيما تهواه نفسه وتريد، بل كان طوع يده، ولم يبخل عليه بما يملك في حياته وبعد مماته من القتال عنه ببسالة وفدائية، فنفسه راضية بما فعله وقدمه لأخيه وهي مكاشفة نفسية لافتة في السياق الرثائي، إذ كان البيت مدحًا موجهًا إلى الشاعر نفسه لا لأخيه، يثني فيه على لين طبعه ودوام كرمه.