يحيى العلكمي
تتأسس مجموعة «تسوّل» لظافر الجبيري ط202م على نظام سردي محكم، تتقدّم فيه البنية على الحكاية، والعلاقات الداخلية على الإحالات الخارجية؛ فالنصوص وإن بدت منشغلة بالإنسان في حالاته القصوى، لا تُقدِّم هذا الانشغال عبر خطاب مباشر أو توصيف اجتماعي، بل عبر تنظيم دقيق للعناصر السردية، يجعل المعنى نتاجًا لتفاعل البنية لا لسطح الموضوع، ففي نص (يتيم):
«دعها.. سأرتبها معك»
قال الأب للبائع، وقد بعثر الطفل الألعاب على الأرض، وبحزن واصل: فقدنا أمّه بالأمس.
من منظور بنيوي، يمكن النظر إلى «تسوّل» بوصفها مجموعة تقوم على وحدة المبدأ البنائي رغم تعدد القصص، فهناك ثوابت تتكرر بصيغ مختلفة: شخصية مأزومة، حدث بسيط ظاهريًا، فضاء محدود، ونهاية غير مغلقة. هذه العناصر لا تعمل بوصفها مكونات معزولة، بل تتشابك ضمن نسق يولّد دلالته من الداخل.
تقوم البنية السردية في المجموعة على التكثيف والاختزال كما هو الحال في الـ ق.ق.ج، حيث تُختصر الحكاية إلى لحظة مركزية تُختزل فيها الصراعات، فالبداية غالبًا ما تكون دخولًا مباشرًا إلى الحدث، دون تمهيد، والنهاية تأتي بوصفها توقفًا مفاجئًا للسرد لا حلًّا له. هذا الشكل البنائي يرسّخ ما يمكن تسميته بـ«سرد اللحظة»، حيث لا يُعنى النص بتتبع التطور الزمني بقدر ما يُعنى بتكثيف الدلالة في نقطة واحدة.
أما الشخصية، فتُبنى وفق وظيفتها داخل النسق السردي لا وفق تاريخها أو عمقها السيكولوجي، إذ لا تمثل الشخصية فرداً مكتمل الملامح، بل عنصرًا بنائيا يؤدي دورًا محددًا في إنتاج المعنى: اليتيم، الجار، المتسوّل، العابر، الراوي، أو المراقب. هذه الشخصيات تتحدد بعلاقاتها داخل النص، لا بذاتها، وهو ما ينسجم مع الرؤية البنيوية التي ترى أن الدلالة تنشأ من العلاقات لا من الجواهر.
ويُلاحظ أن السارد في المجموعة يتسم بـالحياد النسبي، فلا يتدخل بالتعليق أو التفسير، بل يترك الوقائع تتجاور داخل النص. هذا الحياد ليس غيابًا للموقف، بل خيار بنائي يهدف إلى إبقاء البنية مفتوحة، بحيث تُستخلص الدلالة من ترتيب الأحداث لا من صوت السارد. حتى في الحالات التي يقترب فيها السرد من وعي الشخصية، يبقى هذا الاقتراب مضبوطًا، لا ينزلق إلى اعتراف أو تحليل نفسي مباشر.
أما الزمن السردي، فيخضع لبنية الاختزال الزمني، حيث تُلغى الامتدادات الزمنية لصالح زمن قصير مكثف، غالبًا ما يكون آنيًّا أو محدود الاسترجاع. هذا الزمن لا يتطور بقدر ما يدور حول نفسه، معززًا الإحساس بالانسداد والتكرار، وهو ما ينسجم مع الثيمة العامة للمجموعة دون أن يُصرَّح بها.
المكان بدوره يُبنى بوصفه عنصرًا بنيويًا لا خلفية وصفية؛ فالشارع، الزاوية، الغرفة، أو العتبة، المزرعة، المكتب.. كلها فضاءات مغلقة أو شبه مغلقة، تُحدِّد حركة الشخصية وتقيّدها. المكان هنا لا يُوصَف بتفاصيله، بل بوظيفته داخل السرد، بوصفه إطارًا ضاغطًا يشارك في إنتاج المعنى.
وفي مستوى التقنيات الحديثة، تستثمر «تسوّل» بعض أشكال الوعي البنائي بالنص، حيث يلوح أحيانًا إدراك ضمني بفعل السرد ذاته، دون أن يتحول ذلك إلى ميتا-سرد صريح. هذا الوعي يظهر في التقطيع، وفي الاقتصاد اللغوي، وفي النهايات التي ترفض الاكتمال في أغلبها، مؤكدًا أن النص لا يهدف إلى تمثيل الواقع بقدر ما يهدف إلى بناء عالمه الخاص.
ضمن مشروع ظافر الجبيري القصصي، تمثل «تسوّل» اشتغالًا واعيًا على البنية بوصفها حاملة للمعنى، حيث لا يُقال الإنسان، بل يُبنى سرديًا. إنها مجموعة لا تراهن على الموضوع، بل على الشكل الذي ينتج موضوعه من داخله، وتضع القارئ أمام نص يُقرأ بوصفه نظامًا، لا حكاية فقط.
** **
- كاتب وناقد سعودي