عبدالله العولقي
بلغَ الحبُّ مُنْتهاه في قلبِ المُرقّش، فلمْ يَعُدْ يقْدِرُ على كتمان عِشْقه لابنة عمّه (أسماء)، لكنّ شحّ الأمطار والفقر المدقع كانا قدْ خيّما على مضارب القبيلة وألْقَيا بظلالِهما الكئيبة على حكايةِ الحبِّ السعيدْ، فبطلُ مقالتنا اليوم هو عمرو بن سعد بن مالك بن ضُبيعة بن قيس بن ثعلبة البكري، والمُرقِّش لقبه، أُطلقَ عليه لقوله:
الدَّارُ قَفْرٌ والرُّسُومُ كَما
رَقَّشَ في ظَهْرِ الأَدِيمِ قَلَمْ
نشأ المُرقشُ في ديارِ أهله بني ضُبيعة، وتولّع قلبُه هياماً بعشقِ ابنة عمّه أسماء بنت عوف بن مالك، وكانتْ على قدرٍ كبيرٍ من الحُسْنِ والجَمال، وعندما ذهبَ الشاعرُ العاشقُ إلى عمّه لخطبة ابنته أسماء، وجدَ منه صُدوداً كبيراً، فلعلّ ظروفَ الوقتِ غير ملائمةٍ لذلك، لكنّ والدَ أسماء عندما رأى إصرارَ المُرقّش وتعنّته في طلبه، قال له: لنْ أُزوّجك أسماءَ حتّى يُصبحَ لك شأنٌ عظيمٌ عند العرب، وتُصاحب الملوكَ وتنادمهم!!، صُدم المُرقشُ من هذا الشرط العجيب!، ولكنْ أمام تحقيق مبتغاه فلا شيء مستحيل، فشمّر عنْ ساعده وقبِلَ شرط التحدّي، فودّع أهله واتّجه إلى جنوب الجزيرة العربية، فقدْ سمعَ عنْ أحد الملوك هناك يستضيفُ الشعراء ويمنحهم قدرهم من التكريم، فقطع البوادي والقفار قاصداً ذلك الملك الكريم، وبالفعل نجحَ المرقش في مهمته!!، فبعد أنْ مدح الملك بقصائد فاخرة قرّبه الى مجلسه، وأصبح منْ جُلسائه وندمائه المقرّبين، هذا ما حدث للمرقّش، لكنْ ما الذي حصلَ في ديار قبيلته بعد رحيله؟، لقد انحبسَ المطرُ وزادت المجاعةُ في ديار قومه، وعمّ الجوعُ والضنكُ كل الديار، وفي تلك الأجواء العصيبة، مرّ على ديار القبيلة أحد شيوخ قبيلة مراد، فخطبَ أسماءَ بعد أنْ سمعَ عنْ جمالها الفاتن، تقولُ بعض الروايات أنّ هذا الشيخ قدْ أمهرها مائة من الإبل!!، وهنا لمْ يجدْ والدَ أسماء بُداً من قبول العرض المُغري، فالرّجلُ ذو وجاهةٍ اجتماعيّةٍ في قومه، وصاحب ثراءٍ ومال، وهذا المهر العظيم سيحلُّ –بلا شكٍ- أزمة القبيلة، فقبل زواجه، فتزوّجت أسماءُ من الشيخ المُرادي، ورحلتْ معه إلى دياره في جنوب الجزيرة، لكنّ الإشكاليّة الآن، كيف ستواجهُ القبيلة شاعرها المرقش؟، فهمْ يُدْركون مدى عشقه لأسماء وتعلّقه بها مذْ كانوا أطفالاً صغاراً!، لقد اتفقوا أنْ يجْمعوا عظاما للماشية ويجعلوها في ثوبٍ ويدفنوها!، ويدّعون موت أسماء وأنّ هذا قبرها!، هكذا جاءت الفكرةُ لمواجهة المرقش الذي عادَ الى ديار قومه سعيداً بعد أنْ حقّق شرط عمّه، وقدْ طارتْ شهرتُه شاعراً ووجيهاً آفاق الجزيرة العربية، لكنّ المفاجأة الصادمة كانت في انتظاره!، لقد تفاجأ بخبر موت حبيبته، فساءتْ حالتُه ومرضَ مرضاً شديداً، وأصبحَ يُقيمُ كثيراً عنْد قبر أسماء المزعوم ويبكي بُكاءً مرّاً، لقد مرّت عليه الحيلة وصدّق الشاعرُ المرهفُ خبرَ موتها!!.
تقولُ الرواياتُ أنّه عرفَ الحقيقة منْ طفلين كانا يلعبان قُربَ القبر المزعوم، فاعترفا له أنّ المدفون هنا هو عظم من الكبش وليس قبر أسماء!!، دُهش المرقش من حديثهما، فرجع إلى أهله وهو في حالة الصّدمة، وظلّ يستحلفهم حتى اعترفوا له بالحقيقة!، وحينها تنفّسَ المرقّشُ الصعداء، وبدا له وكأنّ حياةً جديدةً بدأتْ تفتحُ صفحاتها له، وإشراقة حبٍّ طالما أضنى عمره في البحث عن ضيائها الدافئ، هكذا بدأ الأملُ ينبتُ في فؤاده المُرْهف بإحساسِ الحبّ بعدَ أنْ شرعتْ دماءُ العشق تسري من جديدٍ في شرايينه، فعقد العزمَ أنْ يذهبَ إلى محبوبته أسماء، لكنْ ما عساه أنْ يفعل معها وهي سيّدةٌ متزوّجة!!، لقدْ دفعه عشقه العظيم لها أنْ يذهبَ لاستردادها منْ زوجها ولو بالقوّة الجبريّة!، لقدْ تناسى أنّها متزوجة منْ سيّدٍ في قومه، وحوله رجال أشداء، لكنْ ما عساهُ أنْ يفعل أمام سطوةِ العشقِ ولهيبِ الشوق:
أَغالِبُكَ القلبُ اللَّجوج صَبابَةً
وشوقاً إلى أسماءَ أمْ أنتَ غالبُهْ
يهيمُ ولا يعْيا بأسماءَ قلبُه
كذاك الهوى إمرارُه وعواقِبُهْ
هكذا فكّر المرقش بالذهاب إلى أسماء وهو تحت تأثير غيبوبة الحب الأعمى، فطلبَ من شقيقيه (أنس وحرملة) أنْ يُرافقاه في الرحلة فرفضا، بلْ إنّهما وبّخاه على قراره المتهوّر وطلبا منه أنْ يتعقّل وينسى أمر أسماء، لكنّ عقله الآن ليس معه، فقلبه المُثخَن بجراحِ الحبّ هو الذي يُسيّره نحو فضاءِ المجهول!!:
قُلْ لأسماء أَنْجِزي الميعادا
وانْظُري أنْ تُزوِّدي منكِ زادا
أًينما كنتِ أوْ حَلَلتِ بأَرضٍ
أوْ بلادٍ أَحيَيْتِ تلكَ البلادا
لقدْ عاشَ المرقّشُ حينها لحظات قاسيةٍ، وأصبح في حالةٍ تشبه الحالة النّفسيّة التي قال عنها ديستويفسكي: إنّ أقسى لحظات الإنسان ليستْ حينَ يُخطئ، بلْ حين يُبرّرُ خطأه أخلاقيّاً، وهكذا عقدَ المُرقّش عزمه الذي لا يلين أمام هدفه المتهوّر، فأخذ معه مولاه ويُدعى (الغُفلي)، ويقال إنّ ثالثه ما كانت زوجة الغفلي، وقد كانا يرعيان ماشية المرقش وأهله، وقبيل أنْ يصلَ الثلاثةُ مضارب قبيلة بني مراد، تعبَ المرقش وبدتْ عليه آثارُ مرضٍ غريبٍ أعجزه عنْ مواصلة السير، فلجأ الثلاثةُ إلى كهفٍ في أعلى جبلٍ حتى يأمنوا هجوم الحيوانات الضارية التي كانت تملأ المكان!، وهناك تعبَ المُرقش أكثر، وبدتْ عليه آثارُ الموت، فقرّر الغفليُّ وزوجته أنْ يتركاه إلى أجلهِ المحتوم!!.
أحسَّ المرقش بخديعة مولاه الغفلي وزوجته، فكتبَ أبياتاً منْ روائعِ الشعرِ الجاهليِّ وأودعها في رحْلِ الغفلي دونَ أنْ يدري، لقدْ كانت هذه الأبيات آخر قصيدةٍ يكتبها الشاعرُ المُرقش في حياته، وقد امتلأتْ معانيها بعاطفةِ الإنسانِ وإحساس اليائس الذي فقدَ عشقه وأمله بعد أنْ داهمه المرضُ فجأة، وصدمه الغدرُ منْ مولاه الغفلي الذي كان بينهما من المودّة الشيء العظيم!، لقدْ سردَ المُرقش في قصيدته القصيرة خطاباً للغفلي وزوجته بأنّ الأخلاق الأصيلة تدعوهما إلى التحلي بالصبر معه في محنته، وعدم العجلة في الرحيل عنه:
يا صاحبيّ تلوّما ألّا تعْجلا
إنّ الرحيلَ رهينُ ألّا تُعذلا
فعلّ بطأكما يفرّط سيّئاً
أوْ يسبق الإسراعُ سيباً مُقبلا
لقدْ خلقَ هذا الموقفُ العصيبُ في روح المرقش فكرة الانتقام الذكي من مولاه الغفلي وزوجته، فأرمز في هذه القصيدة إلى أخويه أنس وحرمل أنْ ينتقما من هذين الغادرين:
يا راكباً إمّا عرضتَ فبلّغْنَ
أنسَ بن سعدٍ إنْ لقيتَ وحرملا
لله دركما ودر أبيكما
إنْ أفلتَ الغفليّ حتى يُقتلا
لقد وصلت عاطفة الشاعر الذاتيّة إلى أقصى ذروتها الانفعالية عندما رأى يأسه الذي لا حيلة له فيه، أيْ في جسده المثقل بالمرض والذي أصبح عبئاً ثقيلاً على الغفلي وزوجته:
من مبلغ الأقوام أنّ مرقّشاً
أمسى على الأصحاب عبْئاً مُثقَلا
ليصلَ به اليأس إلى درجة التشاؤم، فتنبّأ لموته من واقع المكان الذي كانوا فيه، فقد كانت السباعُ والحيواناتُ الضارية تملأ المكان، وهذا ما دفع الثلاثة للالتجاء إلى الكهف (يُقال له كهف خُبان)، فتنبّأ المرقش بنهايته البئيسة وصوّر موته بحبكةٍ دراميّة مثيرةٍ على يدِ ضبعٍ مفترسٍ ذكر (أعثى) ومعه زوجته الأنثى (الجيئل):
ذهبَ السباعُ بأنفه فتركْنَه
أعْثى عليه في الجبال وجيئلا
وبعدَ أنْ يلتهمَ الضبعُ وأنثاه غالبَ جسده، تأتي السباعُ الصغارُ لتأكلَ (شلوه)، أي ما تبقّى فيه من اللحم والعظم:
وكأنّما ترِدُ السِّباعُ بشِلْوِهِ
إذْ غابَ جمعُ بني ضُبيعة منهلا
تقولُ بعضُ الروايات إنّ المرقش قدْ قال قصيدةً أخرى في الكهف، وهي بديعةٌ ولا تقلُّ جمالاً عنْ سابقتها:
سرى ليلاً خيالٌ منْ سُليمى
فأرّقني وأصحابي هجودُ
فبتُّ أُدير منْ أمري كلّ حالٍ
وأرقبُ أهلها وهمُ بعيدُ
لتصلَ به درجةُ الانفعال الذاتي وهو في وحدته الموحشة داخل الكهف في قوله:
فما بالي أفِي، ويُخانُ عهدي!
وما بالي أُصادُ ولا أصيدُ!
لقدْ ظلّ المرقش يتأوّه في مكانه حسيراً حتّى سمعه أحدُ الرعاة القريبين من الكهف، فأدركه وسقاه، وأثناء الحوار سأل المرقشُ الراعي عنْ أسماء، فأخبره أنّه يرعى ماشية زوجها وأهله، فقال له المرقش: هل تراها؟، فردّ الراعي: لا أراها أنا ولا غيري!، فهي منيعةٌ في بيت زوجها، وإنّما تأتيني خادمة لها كلّ ليلة فأحلبُ لها عنزاً في قعبٍ (قدح كبير)، وأدفعه لها لتشربه أسماء، فقال له المرقش: خذْ خاتمي هذا، فإذا حلبت، فارمِه في القعبِ فإنك مصيبُ كلّ خير!!، فاستجابَ الراعي لرغبته وفعَلَ ذلك، فلمّا أتت الخادمةُ باللبن إلى أسماء وشربته، ضربَ الخاتمُ ثناياها، فلمّا أبصرت الخاتمَ عرفته، وأدركتْ أنّ المرقش قريباً منها، فأعلمتْ زوجَها الخبر، فاستدعى الراعي واستعلمه عن الخاتم!، فأخبرهما خبر المرقش في الكهف، وأنّه في آخر رمق، فقالت أسماء: هذا المرقش!، العَجَل العَجَل، فركبَ زوجُها فرسه، وحملَ أسماء على بعير، وانطلقا إلى كهف خُبان، فوجدا المرقش وقد أشرف على الموت، فحملاه معهما لكنّ الموت أدركه في بيت أسماء بعد وصوله بقليل!، وهكذا انتهتْ أسطورةُ عاشقٍ من عشاق العرب القدماء، وشاعرٍ عظيمٍ من فحول الشعر الجاهلي، عاشَ حياته كريماً مضيافاً، يقول مادحاً نفسه وقومه في البذل:
شُعْثٌ مَفَارِقُنا، تَغْلي مَرَاجِلُنَا
نَأْسُو بِأَمْوَالِنَا آثـارَ أَيْدِينَا
وللمرقش ثلاثة أبيات شهيرة من إحدى قصائده يحْكي فيها كرمه وأصحابه مع الذئب، فعندما أوقدوا نارَ الشواء ليطبخوا لحمَ طعامهم، انتشرتْ رائحة الشّواء وعمّت المكان حتّى اجتذبت ذئباً قريباً منهم، فألقوا إلى الذئب قطعةً من اللحم كونهم قد استحوا أنْ يأكلوا وحدهم ويتركوا الذئب جائعاً، فابتهجَ الذئبُ (أطلس) بهذا الكرم، وعاَد مُبتهجاً مثل عودة الفارس جذلاً بغنائمه التي حصدها في الحرب:
ولمّا أضأنا النار عند شوائنا
عرانا عليها أطلسُ اللونِ بائسُ
نبذت إليه حزةً من شوائنا
حياءً، وما فُحْشِي على منْ أُجالسُ
فآضَ بها جذلان ينفض رأسه
كما آبَ بالنهبِ الكميُّ المُخالسُ
وهنا نعودُ إلى الغفليِّ وزوجته، فتقولُ الحكايةُ إنّهما عادا إلى ديار بني ضبيعة، عشيرة المرقش، وأخبرا أهله أنّه ماتَ في الطريق بعدَ أنْ أصابه مرضٌ غريبٌ، فيقال في الرواية أنّ الصُّدفة قدْ قادتْ حرمل شقيق المرقش إلى القصيدةِ القصيرة المكتوبة في رحْلِ الدابة، فقرأها وعلِمَ غدرَ الغفلي وزوجته، فاستجوبهما مرةً تلوَ الأخرى حتّى اعترفا، فاستلَّ حرملةُ سيفَه وقتل الغفلي على الفور!، وهكذا انتقم المُرقش من مولاه، وأخذ ثأره بعد رحيله!!.