سليم السوطاني
من خلال قراءاتي الكثيفة، في مجال الأدب، اعتدت تجنب قراءة التجربة الأولى لأي كاتب. وقد يعود السبب إلى أنني لا أريد أن أضيع وقتي في قراءة عمل - ربما - لا يحوز على رضا ذائقتي، زعمًا مني أن أسلوب الكاتب لم ينضج بعد.
خلال العام الميلادي الماضي 2025م، اعترف بأن هذه القاعدة قد كُسِرت، عندما قرأت ثلاثة أعمال، تُعدُّ التجربة الأولى لكتّاب سعوديين، وهي: رواية «ترف الانكفاء» لوائل الحفظي، والمذكرات للكاتبة مزون البقمي، بعنوان: «السلوان الأبدي»، وأخيرًا رواية «إنتروبيا» للكاتب علي المفضلي.
وبعد قراءتي لهذه الأعمال، وما وجدته من فكرة مختلفة، وسرد مدهش، من هؤلاء الثلاثة، شعرت بالأسف؛ لفكرة العزوف عن قراءة التجربة الأولى، وأنني كنت مخطئًا. فالأعمال السابقة وجدتُ فيها نضجًا لدى الكتّاب، حتى من خلال الاهتمام بالعمل، وعدم الاستعجال عليه بالنشر. فرواية الحفظي حصدت جائزة «أسماء صدّيق للرواية الأولى»، ومذكرات مزون كانت عن طريق مبادرة «حاضنة الكتّاب»، ورواية المفضلي كانت التعاون مع «الوكيل الأدبي» كما هو مذيل في الغلاف الخلفي.
جميل جدًا أن يحرص الكاتب على تجويد عمله الأدبي، قبل أن ينشره، وليس مهمًا الطريقة التي سلكها، الأهم أن العمل خرج بصورة رائعة وتلامس رضا القراء.
مذكرات مزون البقمي بعنوان «السلوان الأبدي» تسرد أحداثًا حقيقية مرّت بها الكاتبة، من متغيرات في حياتها الخاصة، وظلت تبحث عن ذاتها، وسرّ وحدتها، ودخيلتها التي لا يعلم المقربون ما يدور من أفكار تتصارع داخل عقلها. وطرحت تساؤلات فلسفية حول الموت وماهيته. وأرى أن الكتاب عبارة عن رحلة البحث عن الذات، والأجوبة على الأحجية التي تملأ رأسها منذ صغرها.
رواية الحفظي «ترف الانكفاء»، ورواية المفضلي «إنتروبيا»، أجدهما تتقاطعان في القلق الوجودي الذي يملأ نفس بطل الرواية، فيظل يفتش عن أجوبة على أسئلة معقدة، مع اختلاف البطل في الروايتين وأحداثهما، إلا أنني أصنّفهما -بحسب قراءاتي- وبعيدًا عن مقاييس النقد، تصبان في قالب «قلق الأفكار... الأحجية التي تبحث عن تفسيرات... شتات واضطراب نفس الإنسان المتناقضة...».
كانت رواية المفضلي تدور حول «الأفكار، المعنى، الشكل، أزمة الهوية، الاضطراب، عدم تمييز المشاعر، الفقد…».
أما رواية الحفظي، فقد تناولت فكرة الهرب من الحشود، والانكفاء على الذات، ويستكشف بشكل عميق مفهوم القيد، الذي يُقيّد الإنسان في عصرنا الحديث المليء بالضجيج والتغيرات المتسارعة.
كلتا الروايتين تتقاطع في طرح الأسئلة المشتعلة، وتسبر أغوار النفس، محاولةً إيجاد أجوبة على أحجية معقدة، بل إنهما، من خلال الأسلوب السردي الجميل، تجعلان القارئ مشاركًا في التأمل لهذه الأسئلة، والبحث عن إجابات مقنعة تبعث الطمأنينة في الروح التي تعيش على قلق الأسئلة…
ما لفت انتباهي وشدني في هذه الأعمال الثلاثة أنها انطلقت عبر السرد الرشيق، بادئةً من فكرة خلاقة كانت هي الشرارة الأولى لبداية العمل، وظل السرد منتظماً، وتسلسل الأفكار مترابطًا، طوال سير الأحداث، وهما يشدان القارئ لمواصلة القراءة بنزق مدهش، حتى يظل القارئ يمضغ أحداثها على مهلٍ كوجبة لذيذة، ولا يفرغ منها حتى الانتهاء منها دفعة واحدة.
أعمال تستحق الاحترام والاحتفاء، ويظهر فيها الجهد الذي بُذِل لإخراجها بالشكل المطلوب. ومن خلال هذا التجويد للأعمال الأدبية، نستطيع أن نرتقي بالنصوص وقيمة العمل، ونثري المكتبات بالأدب السعودي.