اللواء الركن م. سلامة بن هذال بن سعيدان
كتبت مقالات كثيرة عن أصحاب المشاريع الجيوسياسية والاطماع القومية التوسعية الذين يحاولون تقسيم المنطقة العربية وشد أطرافها تحت مظلة المشروع الأمريكي الذي يصب لمصلحة المشروع القومي الصهيوني، ويخدم أهداف الدولة العبرية وتطلعاتها نحو السيطرة على المنطقة، تمهيداً لقيام دولتها الكبرى المزعومة.
والمشروع الاستعماري الصهيوني في الشرق الأوسط يهدف إلى إعادة تقسيم الوطن العربي وتمزيق دوله وتحويلها إلى كيانات فاشلة عن طريق إحلال التنظيمات العميلة والمليشيات الدخلية محل الدول ذات السيادة الوطنية والهوية العربية، واستبدال الانتماءات الدينية والقومية والوطنية بانتماءات مذهبية وطائفية وعرقية ومناطقية كما هو الحال في عدد من الدول العربية.
وقد فعلت هذه المشاريع مفعولها في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين واليمن والسودان وليبيا والصومال بسبب وجود الوكلاء المحسوبين على الأمة العربية في غياب المشروع العربي المضاد الذي يجمع الامة ويوحد كلمتها ويحل خلافاتها ويُمكِّنها من مواجهة المشاريع المضادة من خلال استثمار عناصر القوة الجامعة والاستفادة من الدوافع الاجتماعية الدافعة بشقيها المادي والمعنوي.
وقد بذلت قيادة المملكة جهوداً جهيدة في سبيل إيجاد مشروع عربي في المنطقة للتصدي للمشاريع المضادة والدفاع عن الأمة العربية، مستهلةً ذلك بالدعوة إلى لم الشمل وترميم البيت العربي الذي تم تدميره من الداخل والخارج على يد العملاء والصهاينة.
ومن أجل نجاح المشروع العربي وتجسيده على أرض الواقع تحاول المملكة تصفير المشاكل وتجاوز المخالفات البينية وتفعيل دور الجامعة وحث الجميع على التآلف والتكاتف لدرء المخاطر والتكيف مع المتغيرات الدولية ومواكبة الأحداث العالمية التي تتطلب إصلاح الداخل والاستعداد للتعامل مع الخارج بشكل جماعي وخطاب واحد في صيغة عملية للتعاون المشترك خارج مناطق النفوذ الخارجي.
ومن هذا المنطلق عملت المملكة على توظيف عناصر قوتها الوطنية وإمكاناتها المادية والمعنوية وعلاقاتها الخارجية ومواقفها الحيادية ومبادراتها السلمية في خدمة مشروعها الذي تتبناه، داعية لمحاربة الإرهاب والتنظيمات المتطرفة وأصحاب المشروعات المنحرفة لتمهيد الطريق نحو شرق أوسط ينعم بالأمن والسلام ويسوده الاستقرار وحسن الجوار.
ولم تترك قيادة المملكة طريقاً مستقيماً الا طرقته ولا وسيلة مشروعة إلا توسلتها لإصلاح ما أفسده الكيان الصهيوني ومَنْ يدور في فلكه، وأوضح مثال على ذلك ممارسات السلطة الوظيفية الشريرة، وكذلك التنظيمات المستأجرة الحقيرة التي أتخذها الأعداء مطايا يمتطونها لتدمير المنطقة والعبث بمستقبلها ومصير شعوبها في سبيل تنفيذ أجندتهم الاستعمارية ومشارعيهم القومية الخبيثة وقد قيل: الخائن بطئ اتصاله سريع انفصاله كالفخار بطئ جبره وسريع كسره.
والمملكة منذ تأسيسها وهي ذات مواقف مُشرِّفة وأهداف سامية تجاه الدول الشقيقة والصديقة، تشاطرها اهتماماتها، وتساهم في حل أزماتها دون التدخل في شؤونها الداخلية أو المساس بخصوصياتها الوطنية وثوابتها القُطْرية التي ينطبق عليها ما ينطبق على الشأن الداخلي.
ومواقف المملكة معروفة وبالذكر الحسن موصوفة انطلاقا من التعامل الصادق مع الانتماءات الدينية والقومية والوطنية الذي يتطلب من المنتمي تقديم الدعم المادي والمعنوي لمَنْ يستحقه استجابة لمن ينطوي عليه مفهوم هذه الانتماءات من المحافظة على الأمن الوطني والقومي والدعوة إلى التعاون والتضامن والوفاء بالحقوق الدينية والأخوية.
وانطلاقاً من هذا المفهوم فإن لسان المقال وواقع الحال ينطبق على مواقف المملكة المشهودة ومبادراتها المحمودة تجاه قضايا الأمتين العربية والإسلامية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي جعلتها المملكة شغلها الشاغل ومحل اهتمامها وقضيتها الأولى، حيث وقفت إلى جانب الشعب الفلسطيني وقدمت له الدعم والمساندة المادية والمعنوية، وحشدت دول العالم للاعتراف بالقضية الفلسطينية واعتبار السلام في المنطقة مقروناً بحل الدولتين وتمكين الشعب الفلسطيني من استعادة حقوقه المشروعة.
وكل مَنْ يدرك قيمة الانتماءات الدينية والوطنية والقومية ويؤمن بالموانع المانعة بالنسبة للانتماء الديني والجوامع الجامعة فيما يتعلق بالانتماءات الأخرى، لا يخفى عليه موقف المملكة حول ما حدث ويحدث من تدخلات خارجية ومؤامرات داخلية في كل من سوريا ولبنان والعراق واليمن والسودان وليبيا والصومال حيث يتمثل هذه الموقف الحازم في مساندة ودعم الحكومات الشرعية والدول ذات السيادة ضد التدخلات الوافدة والمؤامرات المستوردة.
والمملكة تمتلك مقومات الدولة الفاعلة بفضل موقعها الإستراتيجي ومركزها الديني وثقلها الاقتصادي ووزنها السياسي ودورها القيادي وعناصر قوتها الوطنية التي أهلتها للجمع بين قوة السياسة وسياسة القوة على النحو الذي جعلها تجيد فن مداراة الكبار وكبح جماح الصغار مع التمييز بين حدود استخدام القوة الناعمة ودواعي اللجوء إلى القوة الخشنة.
والقيادة السعودية تعلم علم اليقين عن كل ما يحاك ضدها من قبل أعداء الإسلام من الصهاينة وأذنابهم من الخونة والمرتزقة الذين انكشف سرهم وافتضح أمرهم في الدول المستهدفة وعلى مستوى العالم، نتيجة لما أثاروه من الفتن واقترفوه من أعمال التخريب والتدمير.
وقد اتبعت المملكة سياسة الصبر والنفس الطويل تجاه الحرب الدائرة في السودان، رغم أنها تشكل تهديداً لحدودها البحرية وأمنها القومي اعتقاداً من المملكة بأن الجهة التي تمول المتمردين وتزودهم بالأسلحة والمرتزقة يمكن أن تستفيد عن ما يقال عنها ويدور حولها وتنأى بنفسها عن الأحداث في السودان والصومال ومنطقة القرن الإفريقي.
وجاءت محاولات الانفصال والتمرد في اليمن حيث قام المجلس الانتقالي العميل بالتمرد على الحكومة الشرعية وقيادة التحالف والدعوة إلى فصل جنوب اليمن عن شماله، كما قام بالاعتداء على المحافظات اليمينة المحاذية لحدود المملكة في عمل غادر وتهديد سافر لحدود المملكة والمساس بأمنها الوطني والقومي، وكذلك تهديد الأمن القومي للدول الخليجية والمنطقة العربية.
وقد اتخذت المملكة قرارها وحسمت أمرها وأفشلت المخطط وقضت على المجلس الانتقالي الذي لم يضع في الحسبان الخطوط الحمراء بالنسبة للمملكة وموقفها عندما يحل الحزم والعزم محل الحلم؛ لأن الذي يتمترس خلف الحكمة عادة ما ينهار خصمه من قوة الصدمة، وقد قال الشاعر:
الحزم قبل العزم فأحزم وأعزم
وإذا استبان لك الصواب فصمم
وقال آخر:
ولي فرسٌ للحلم بالحلم ملجمُ
ولي فرسٌ للجهل بالجهل مسرج
والمملكة تقف إلى جانب الحكومة الشرعية وإلى جانب وحدة اليمن، وتنظر إلى اليمن نظرة أخوية تنطلق من مواقف ثابتة وأبعاد تاريخية ومصيرية باعتبار اليمن يشكل عمق المملكة الإستراتيجي، ويجمع بين البلدين عوامل جغرافية وديموغرافية يصعب الفصل بينهما مهما حاول الأشرار عرقلة المسار والعزف على أوتار القضايا الخلافية والفوارق البينية.
وشتان بين ما يحارب التطرف والإرهاب ويدافع عن انتماءاته الدينية والقومية والوطنية، ويعمل على مد يد العون والمساعدة للدول الأخرى لتنعم بالأمن والاستقرار، وبين من يسعون إلى تدمير الدول وتقسيم شعوبها وإثارة الفتن والقلاقل فيها، والبون شاسع والمقارنة متعذرة، وقد قال علي بن أبي طالب: أعظم الخيانة خيانة الأمة، وأفظع الغش غش الأئمة، وقال الشاعر:
لا يوجد الخير إلا في معادنه
والشر حيث طلبت الشر موجود