الهادي التليلي
التاريخ في ظاهره لا يزيد عن الإخبار وفي باطنه نظر، وتحقيق هذا ما قال العلامة ابن خلدون قديما ولم يتعلم منه كثير من المحدثين.
هذا ما حمله إلى ذهني فور علمي بهرب عيدروس الزبيدي الذي منذ أيام قليلة تناقلت كل وسائل الإعلام العالمية إعلانه الواثق بقيام دولة منشقة عن الحضن الشرعي إعلان لا يثير الغرابة لأن البلقنة أو تفتيت جغرافية الدول العربية مقصد إسرائيلي مركزي في التكتيك الإسرائيلي لتأسيس الحلم المشهود ولكن في الحقيقة هو يثير الشفقة أكثر مما يثير الاستغراب لأن من لا يتعلم من التاريخ لا مستقبل له.
فإسرائيل لم تكن وفية يوما للفلاشا السود الذين قدموا من إثيوبيا وغيرها وتركوا خارج الملاجئ أيام الصدام مع إيران وهم من حارب ووهب دمه لها حتى تحمي من تراه في خانة الأعداء الأزليين.
الزبيدي أعلن عن قيام دولة سالت كما يسيل مكعب الزبدة من فئة مائتين وخمسين غراما.
مكون جغرافي ترعاه منذ سنوات عديدة المملكة العربية السعودية حماية له من الإرهاب والتطرف أمام المد الفارسي ووفرت له أرضية استقرار وأمان ووفقت بين جميع الأطياف المدنية المحلية.
وبين عشية وضحايا وبالتوازي مع إعلان صومال لاند أو صوماليا كما يسميها سكانها وقف الزبيدي خطيبا معلنا قيام دويلة دامت في رأسه أكثر من ديمومتها في الواقع دولة طبخت في مخابر أخرى ووفق أجندات أخرى.
الإعلان جاء فجأة كذلك هروب عيدروس كان أسرع وهو من نذر دمه فداء لهذه الدويلة حسب زعمه ولكنه نسي ذلك ساعة الصفر وتذكر فقط مقولة الخلاص الفردي لجان بول سارتر أب الوجودية المعاصرة.
مشهد رحيل الزبيدي تشكيليا يشبه سيلان الزبدة من اليمن إلى صومال لاند والبقاع الأخرى وهو رحيل غير مأسوف عليه وسيلان زبده عبرة لمن لا يعتبر بالتاريخ.
نهاية الزبيدي وخيانته لأرضه وأهله والأمة حكاية تدرس لذلك خرج الأهالي في احتفالات واسعة لامثيل لها استبشارا بسيلان زبدة عيدروس وهروبه تاركاً دولة وئدت قبل ولادتها ناسياً أو متناسياً أن الخيانات لا تصنع دولا وإنما فضائح ونكسات وعارا وتكشف أقنعة كثيرة.
اليمن العزيز على كل قلب بشعبه وعراقته وجماله وهو يلفظ الخائنين يؤكد فعلاً أنه وفي لعراقته وتاريخه وقيمه. إنه العمق التاريخيّ ذاته ومصنع الرجال والأبطال فلا عاش فيه من خانه ولا عاش فيه من لم يعش سيداً لا عبداً لمختبرات سياسية ذات أجندات عدائية لليمن والمنطقة.
ما حصل للزبيدي هو كذلك رسالة متعددة السطوح والوجهات، فاليمن واحد وعزيز ومهاب ومن يتجرأ على تفكيك وحدته وشرعيته بشكل انفرادي، ودون الاتفاق مع بقية مكونات البلاد، كما فعل الزبيدي، عليه أن يتعلم من التاريخ هذا التاريخ الذي في عمقه نظر وتحقيق يكتب ويفضح الخيانات للحاضرين والأجيال القادمة لتصبح الخيانة وصمة عار لا تمحى.
فعيدروس الذي كسب ثروة خرافية بأموال اليمنيين لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يصبح حامل هموم الشعب وحامي حماهم ومناضلا من أجل قضاياهم وصانع أحلامهم تلك هي الحقيقة، وذلك هو الواقع وتلك هي زبدة القول.