إعداد - عبدالله عبدالرحمن الخفاجي
في لحظة ما من تاريخ الفن كان يُعتقد أن القيمة الحقيقية للعمل الفني لا تُقاس إلا بصدق التجربة وجدارة الموهبة، وأن الاعتراف إن جاء فهو ثمرة زمن طويل من المعاناة والصبر. لكن هذا التصور الذي غذّته قصص الفنانين المنعزلين والمهمشين لم يعد صالحًا لفهم ما يجري اليوم في عالم الفن المعاصر.
حين نتأمل الفجوة الزمنية بين مأساة فان جوخ الذي مات فقيراً ولم يعرف الشهرة إلا بعد موته، وبين فنانين معاصرين تُباع أعمالهم بملايين الدولارات وهم في مقتبل العمر ندرك أن المسألة لم تعد مرتبطة بالموهبة وحدها، بل أن هناك منظومة كاملة تعمل في الخلفية تصوغ القيمة وتوجّه الضوء وتحدد من يستحق أن يكون في الصدارة.
الفن اليوم لم يعد فعلاً فردياً خالصاً بل صناعة ثقافية واقتصادية معقّدة، الموهبة شرط أساسي لكنها وحدها لا تكفي، ما يصنع «النجم» هو شبكة مترابطة من الفاعلين وهم (قيّمون فنيون، مؤسسات، صالات عرض، مزادات، إعلام، ونقاد). جميعهم يشاركون بدرجات متفاوتة في تحويل الفنان من منتج للأعمال إلى علامة ثقافية ذات حضور عالمي.
القيّم الفني.. حيث تبدأ الشرعية
في عالم الفن المعاصر نادراً ما يصعد فنان إلى الواجهة من دون المرور عبر بوابة القيّم الفني، فدور القيّم لم يعد تقنياً أو تنظيمياً فحسب، بل أصبح دوراً معرفياً حاسماً في صناعة المعنى ومنح الشرعية.
القيّم هو من يضع العمل داخل سياق فكري أو تاريخي أو سياسي ويمنحه لغة تفسيرية تجعله قابلاً للقراءة داخل الخطاب العالمي للفن، وعندما يختار قيّم معروف فناناً شاباً للمشاركة في معرض دولي أو بينالي مرموق، فإنه يمنحه اعترافاً غير مكتوب لكنه مفهوم لدى المؤسسات والأسواق على حد سواء.
المشاركة في محافل كبرى مثل بينالي البندقية أو دوكومنتا أو بينالي الشارقة لا تعني مجرد عرض أعمال أمام جمهور أوسع بل تعني الدخول الرسمي إلى دائرة الاهتمام العالمي، هنا تتشكّل «القيمة الرمزية» وهي تلك القيمة غير المادية التي تُبنى من الاعتراف المؤسسي والحضور الأكاديمي والانتماء إلى خطاب معاصر.
هذه القيمة لا تُقاس بالأرقام لكنها تمهّد الطريق لكل ما سيأتي لاحقاً، فالفنان الذي حاز شرعية القيّمين يصبح أكثر جاذبية للجاليريهات وأكثر أماناً للمقتنين وأكثر قابلية للتداول في السوق الدولية.
السوق الفني.. حين تتحول الرمزية إلى سعر
بعد أن تترسخ القيمة الرمزية يبدأ العمل الفني رحلته الأكثر حساسية، الدخول إلى السوق. هنا تتولى صالات العرض ودور المزادات مهمة تحويل المعنى إلى رقم والاعتراف الثقافي إلى سعر.
في السوق الأولي تلعب صالات العرض دوراً مركزياً في بناء المسار المهني للفنان، فالجاليري لا يبيع الأعمال فقط بل يدير الإيقاع.. عدد اللوحات المطروحة، أماكن العرض، توقيت رفع الأسعار، وحتى نوعية المقتنين. الهدف هو بناء سمعة مستقرة لا تحقيق مكاسب سريعة.
أما السوق الثانوي حيث المزادات العالمية فهو ساحة الاختبار العلني، دخول عمل إلى مزاد دولي يعني أن اسم الفنان أصبح خاضعا للتنافس المفتوح، السعر المحقق في المزاد لا يعبّر فقط عن قيمة العمل، بل يتحول إلى مرجع عالمي ينعكس على كامل إنتاج الفنان.
وفي هذا المشهد، يبرز دور المقتنين الكبار الذين يتعاملون مع الفن كاستثمار طويل الأمد، دعمهم لفنان معين سواء عبر الاقتناء المكثف أو إتاحة الأعمال للعرض في المتاحف يسهم بشكل مباشر في رفع قيمته السوقية وتعزيز مكانته.
الإعلام والنقد.. القصة التي تمنح العمل صوته
لا يكفي أن يكون العمل الفني قوياً بصرياً ليحجز مكانه في الوعي العام، فاللوحة الصامتة تحتاج إلى سردية تحيط بها وتمنحها قدرة على التواصل والتأثير، هنا يأتي دور الإعلام والنقد الفني.
النقد المتخصص يعمل على تفسير الأعمال وربطها بأسئلة فكرية وثقافية كبرى مما يمنحها عمقاً يتجاوز الانطباع الأول. هذا التفسير لا يضيف معنى فقط بل يرفع من القيمة الرمزية ويجعل العمل يبدو جزء من نقاش أوسع حول العالم والإنسان.
في المقابل تصنع التغطيات الإعلامية صورة الفنان نفسه، تتحول سيرته ومواقفه وخياراته الجمالية إلى عناصر في قصة متكاملة، ومع تكرار السرد تتكوّن «هالة» تحيط بالاسم وتؤثر في تلقي الأعمال وتسويقها.
الاستثمار في الفن.. حين يصبح الإبداع جزءًا من الاقتصاد العالمي خلال العقود الأخيرة خرج الفن التشكيلي من إطاره النخبوي الضيق ليدخل بقوة إلى منظومة الاقتصاد العالمي، لم تعد اللوحات والمنحوتات تُقتنى بدافع الذائقة أو الشغف الثقافي فحسب بل أصبحت تُعامل بوصفها أصولاً مالية ذات قيمة متنامية تدخل في حسابات المستثمرين والبنوك وصناديق الثروة.
يتميّز سوق الفن بخصوصية تجعله جذاباً في عالم الاستثمار فهو سوق غير مرتبط بشكل مباشر بتقلبات الأسهم والعملات ما يمنحه قدرة نسبية على الصمود في أوقات الأزمات، لهذا السبب ينظر إليه كثير من المستثمرين كأداة لتنويع المحافظ المالية وتقليل المخاطر.
القيمة الاقتصادية للعمل الفني لا تُبنى على الجمال وحده بل على منظومة متكاملة من المؤشرات، حضور الفنان في المتاحف، تاريخه في المزادات، عدد الأعمال المتداولة، ومدى ندرتها. وكلما كانت هذه العناصر أكثر تماسكاً زادت ثقة السوق بجدوى الاستثمار في أعماله.
كما أسهمت العولمة والتحول الرقمي في توسيع سوق الفن ليصبح عابراً للحدود. المزادات الإلكترونية والمعارض الدولية والمنصات المتخصصة جعلت من الممكن تداول الأعمال الفنية بين قارات مختلفة في لحظات وربطت الفن بشبكة الاقتصاد العالمي على نحو غير مسبوق.
غير أن هذا التحول يطرح إشكاليات جوهرية، فحين يُقاس العمل الفني بجدواه الاستثمارية فقط يبرز خطر اختزال الفن إلى سلعة ودفع الفنان إلى إنتاج ما يطلبه السوق لا ما يفرضه عليه مشروعه الإبداعي، وهنا يتجدد الصراع بين القيمة الفنية والقيمة الاقتصادية بوصفه أحد أبرز توترات الفن المعاصر.
في ظل هذا المشهد المركّب يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: هل ما زلنا ننظر إلى العمل الفني بوصفه تجربة جمالية وفكرية، أم أننا أصبحنا نلاحق الاسم والسعر قبل أي شيء آخر؟
المنظومة التي تصنع نجومية الفنانين اليوم ليست شراً مطلقاً ولا فضيلة خالصة. إنها آلية فرضها اتساع السوق وتحوّل الفن إلى جزء من الاقتصاد العالمي، من دونها قد تضيع المواهب في الهامش لكنها في الوقت نفسه تحمل خطر تحويل الفن إلى سلعة خاضعة لمنطق العرض والطلب وحده.
التحدي الحقيقي يكمن في وعي الفنان بهذه القواعد، أن يفهمها من دون أن يفقد استقلاله وأن يستخدمها لدعم مشروعه لا لإفراغه من مضمونه، فبين القيّم والسوق والإعلام يمكن للموهبة أن تزدهر كما يمكن أن تُستهلك.
وفي النهاية، قد تنجح هذه المنظومة في صناعة نجم لامع لكنها لا تضمن ولادة فن عظيم، الفن الحقيقي يظل رهين قدرة الفنان على العبور بين هذه القوى جميعاً محافظاً على جوهره ومقاوماً أن يتحول إلى مجرد رقم في بورصة الألوان.
** **
إكس: AL_KHAFAJII