د. هيا بنت عبدالرحمن السمهري
إن الواقع الحضاري الفاخر الذي تعيشه بلادنا الغالية يتواشج معه حضور ثقافي لافت في منظومة كبيرة راقية المتن والنسيج والدلالة؛ فالثقافة كائنٌ حيّ يولد دائما من يدٍ مسؤولة تراه حسنا ثم يكبر في عيون المجتمع والناس محلياً وإقليمياً وعالمياً من خلال البث المتجلي المتصل بالمعرفة والثقافة العامة والمتخصصة، وهناك حتما من يضيئون زواياه ويحملون منه وافرا من النواتج الثقافية التي ترنو لها العيون وتتفتق لها الأذهان وتُشنّف لها الأسماع، وذلكم الحصاد المعلوماتي مما نشرتهُ الهيئة العامة للإحصاء في تقرير إحصاءات الثقافة والترفيه لعامي 2023/ 2024م الذي يعكس نموا وتطورا لافتا في القطاع الثقافي في المملكة العربية السعودية، ومن البديع الجميل أنه برزت في تقرير الهيئة العامة للاحصاء في المملكة العربية السعودية منصات ثقافية ومنابر تنوير تليدة النشأة متحضرة في المنتج والنتائج لافتة في حضورها الثقافي المجتمعي الذي يتنامى في عقول بلادنا المزهرة، ومن تلك الروافد الثقافية التليدة المتحضرة مركز الأمير عبدالرحمن السديري الثقافي الذي تأسس عام 1383/ 1963؛ حيث كان ضمن هذه الإحصاءات الوطنية، فكان إدراجه ضمن إحصاءات الثقافة والترفيه تتويجا لما تحقق فيه بعد توفيق الله من جهود مستدامة في تحقيق رسالة المركز الثقافية، وكان ذلك الخبر المحفز مجالا رحبا للاستفاضة في شرح تفاصيل المشروع الثقافي الذي كان حلما كبيرا للأمير الراحل عبدالرحمن الأحمد السديري، فأضاء رحمه الله مشاعله قبل وفاته عام 1427، ومن ثم استكمل أبناؤهُ الكرام المسيرة الثقافية بكل تجلياتها، فكانت الشواهد المكانية التي تحمل دلالات التنوير بمفهومها الواسع من منطقة الجوف ممثلا في مكتبة دار العلوم التي أسسها - رحمه الله عام 1383، وعندما سقى الغرس ودشن رحمه الله التظاهرة الثقافية في منطقة الجوف تراسلتْ المثاقفة مع محافظة الغاط فنهضتْ واستدارتْ الزوايا فكانت مكتبة منيرة الملحم التي تأسست 1324 وافتتحتْ أبوابها في دار الرحمانية وتزخر المكتبتان بوافر كبير من الأوعية القرائية في كافة العلوم والمعارف والتراث والآثار؛ كما يوفر المركز خدمات المكتبة الرقمية التي تتيح الدخول إلى قواعد البيانات العالمية، ومضت تلك الصروح الثقافية تحمل عبق المكان وأماني أهله هناك حيث الأفق يعانق نداءات الحياة يتخللها بثٌّ صادق شجِنٌ شفاف نحو مؤسس ذلك الكيان الثقافي المجزي فكانت الثافة وتنوعها منصة يتهافت الناس على مفاتنها! وومضتْ الثقافات المتنوعة والمتصلة بالمجتمعات هناك في الجوف والغاط، ومن ثم امتدتْ للوطن الكبير المملكة العربية السعودية.
فهناك شعور جميل بنتائج محمودة لفتح بوابات الثقافة وخدمة المجتمعات المحلية من خلالها، وتُقَابِلُنا في الضفة الأخرى من الحراك الثقافي لمركز السديري الثقافي مجلتان حفيتان ملأى بالشدو والفكروترياق الكلمات، وتزخر بالبعد الإنساني المشترك مع كل الثقافات المحلية والعالمية وتبنّى مركز عبدالرحمن السديري الثقافي بكل اقتدار مفهوم الشراكة الإعلامية الثقافية الوطنية المتخصصة تتصدر ذلك المكون مجلة الجوبة وهي مجلة ربع سنوية تتيح لأبناء وبنات منطقة الجوف والغاط وسواهم من خارجها نشر ابداعاتهم وتوفر لهم مجالات للاحتكاك بالكتاب والأدباء من خلال النشر وفق منظومة متقنة فمجلة الجوبة ثراء ثقافي يكتنز ويفيض، ومجلة «أدوماتو» النصف سنوية تعنى بآثار الوطن العربي والمطلع على أدوماتو يراها مرآة ثقافية مختلفا ألوانها! ومن ما حملته الإحصاءات من أنشطة تلك المكتبات المجتمعية ما يجعلها تبدو مؤسسات للمجتمع المدني كاملة التشكيل ففيهما نظام محكم مكنهما من إدارة القراءة وصناعة المجتمعات القارئة.
ولقد شكّلتْ تلك المنظومة الثقافية المتنوعة التي انطلقتْ من مركز عبدالرحمن السديري الثقافي محاضن جديرة بالثناء والإشادة في رعايتها للمناشط الثقافية في الجوف والغاط، وتقديم التمويل للبحوث ونشر الدراسات والإعداد والتنظيم للمنتديين الفكريين؛ منتدى الأمير عبدالرحمن السديري للدراسات السعودية الذي يقام سنويا بالتناوب المكاني بين الجوف والغاط الذي بدأ أعماله عام 2007م ومنتدى منيرة بنت محمد الملحم لخدمة المجتمع 2008م، وهذان المنتديان الفكريان اللذان يعقدان سنويا دائما مايتنازعان الأفضلية ويجتمعان على أنهما من روافد الفكر المجزي والثقافة الحاضرة المتحضرة ونقاط الضوء المشرقة معرفة وتأصيلاً دائماً وأبداً! كما أن البث الثقافي الوطني اللافت من روافد الانتماء لبلادنا الغالية في حاضرها الأشم ومستقبلها الأمثل بإذن الله فالحراك الثقافي في مركز عبدالرحمن السديري الثقافي تحمله استراتيجية تجيد احتواء عشق المكان واقتناص الفرص الوطنية والمناسبات الخالدة لإقامة المنصات الذهنية الثقافية الدائمة لصناعة المستقبل، وقد أعدَّ مركز السديري الثقافي لذوي الطاقات الثمينة من الباحثين متكآت ليحدثوا فرقا ولذوي الفكر الثقافي والأدبي ما يرفد المواهب ويدعم النتاج الفكري ونشره ومن هنا وهناك علمنا ما تعنيه الثقافة الممزوجة بالإنتاج المجتمعي وقراءة وإقرار الحوار الحضاري ونشره بين الناس!
ولقد حاز مركز السديري الثقافي عام 2023 جائزة المؤسسات الثقافية في مسار القطاع غير الربحي من وزارة الثقافة فالثقافة في مركز السديري الثقافي معرفة ومنجز يُحاك نسيجه في مسارات تطويرية، ومنتج رئيس لكل تجاذبات حياة المجتمعات؛ فقد تمكن المركز من خلال مناراته الثقافية في الجوف والغاط خلال العامين 2023/ 2024من تنفيذ ما يزيد عن 699 نشاطاً ثقافياً استفاد منها (129174) من الرجال والنساء والأطفال وطلاب المدارس والجامعات محليا عبر التفاعل الحضوري الحي، وعالميا عبر حساب المركز على منصة زووم، وتنوعت تلك الأنشطة في الدورات التدريبية وورش العمل والمسابقات وملتقيات القراءة والمحاضرات العامة والتخصصية، واستضاف المركز عددا من الخبراء والمتخصصين في الموضوعات ذات العلاقة بتلك الندوات والمحاضرات، كما يصادق مركز السديري على صناعة الشغف وتنمية ثقافة الابتكار في كل الأصناف المنتمية للثقافة تتصدرها الفنون والآداب.
وفي مجتمعات الجوف والغاط خاصة ممارسات تلقائية تؤسس لبناء الرأي السليم! وعلاقات يجب الدخول إليها بحفاوة وشغف!
وختاماً، فالحراك الثقافي في مركز السديري الثقافي أعلام وإعلام وجهد وجد وصعود مشهود يحتفي بجودة الحياة.