نجلاء العتيبي
قلعة مارد في دومة الجندل بمنطقة الجوف، على مسافة تقارب خمسين كيلومترًا من سكاكا، تعد من أبرز الحصون التي حافظت على مكانتها منذ القرن الأول الميلادي، وقد رسخت حضورها في الذاكرة التاريخية عندما ذكرتها الملكة الزباء في القرن الثالث الميلادي بقولها: «تمرد مارد وعز الأبلق»، وهي شهادة تؤكد صلابة القلعة، ودورها في حماية طرق التجارة القديمة.
وحين أشاهد تقارير تلفزيونية توثِّق آثار وطني، ينتابني شعورٌ بالدهشة والفخر أمام حصنٍ تقف جدرانه كأنها سجلٌ حيٌ لحقب متعددة؛ فمارد ليست بناءً حجريًا فقط، وإنما موقعٌ التقت فيه مسارات الاستقرار والزراعة والاقتصاد، واستطاع الحفاظ على قيمته العسكرية والإدارية لقرون طويلة. وقد ارتبطت القلعة بمنظومة عمرانية تشمل سور المدينة القديم، ومسجد عمر بن الخطاب، والحي السكني التاريخي؛ ما يجعلها مركزًا لفهم الحياة في الجوف خلال الفترات الماضية.
وتكشف دومة الجندل عن طبقاتٍ متتابعةٍ من النشاط الإنساني؛ إذ تشير اللقى الأثرية إلى وجود استيطانٍ قديمٍ تميز بتنظيم دقيق للموارد المائية، واعتماد على العيون الطبيعية التي أمدت الواحات بالخصوبة، وكانت القلعة جزءًا من شبكة مراقبة تتيح تتبع حركة القوافل التي تمر عبر المنطقة، بما يحفظ الأمن، ويضمن استمرار التبادل الاقتصادي، هذا الدور جعلها موقعًا إستراتيجيًا لا يمكن الاستغناء عنه في العصور التي كانت فيها التحصينات ركيزة أساسية للحياة.
ومن أعلى القلعة يبدو المشهد واسعًا، حيث تنتشر البيوت الطينية القديمة حول سفحها، كأنها تستمد من وجودها إحساسًا بالثبات، في هذه اللحظة يدرك الزائر أن المكان لا يقدم منظرًا فحسب، وإنما يفتح بابًا للتأمل في كيفية تشكل المدن القديمة؛ اعتمادًا على الجغرافيا والموارد، فمارد ساهمت في رسم ملامح دومة الجندل، وأسهمت في حماية المجتمع المحلي عبر أدوار متعددة تراكمت مع الزمن.
وتكشف النقوش والقطع الفخارية التي وجدت في الموقع عن وظائف متنوِّعة للقلعة، منها التخزين والمراقبة وتنظيم الحركة داخل المدينة، وتساعد هذه الشواهد في فهم طبيعة الحياة اليومية، وطرق إدارة الموارد، كما تسهم في بناء تصور أوضح لتطور العمران في الجوف، ومع استمرار الدراسات الأثرية، يزداد حضور القلعة كعنصر يضيء تاريخ المنطقة بوضوح أكبر، ويعطي الباحثين مادة مهمة لاستكمال قراءة الماضي.
والوقوف أمام هذا المعلم يمنح درسًا عميقًا في معنى الثبات؛ فقد بقيت جدرانه صامدةً أمام عوامل الطبيعة، وحافظت على هيئتها رغم مرور الزمن، وهذا البقاء يذكر أن الإنسان يترك أثرًا حين يبني ما يخدم المجتمع، ويعزِّز قيمة المكان، ولهذا تبدو مارد اليوم رمزًا للتجذر والوعي، ودعوةً للتأمل المسؤول فيما نصنعه؛ ليكون جزءًا من ذاكرة تمتد عبر الأجيال.
ضوء:
«لدينا عمق تاريخي مهم جدًا، موغل بالقدم، ويتلاقى مع الكثير من الحضارات، كثيرون يربطون تاريخ الجزيرة العربية بتاريخ قصير، بينما نحن أمة موغلة في القِدم».
- ولي العهد محمد بن سلمان -حفظه الله.