عمرو أبوالعطا
كانت حران تُدرك قدرتها على إنجاب رجالٍ عظام، لكنها لم تكن تعلم أن ذلك الفتى الذي نشأ في بيئة تجارية متواضعة سيكون يومًا ما من أعظم العقول الرياضية والفلكية التي شهدتها الحضارة الإنسانية.
وُلد ثابت بن قرة بن مروان في حران حوالي عام 221هـ/ 836م. نشأ في تلك المدينة العريقة التي كانت ملتقى طرق الثقافات، حيث كانت السريانية لغة التواصل المحلي والعلم، واليونانية لغة التراث الفلسفي والعلمي الإغريقي، والعربية لغة الدولة الإسلامية الفتية وثقافتها الآخذة في الازدهار.
كانت حران معقل طائفة الصابئة، الذين اشتهروا بمعارفهم في الفلك والرياضيات، والمتأثرة بالتراث الهلنستي. وفي هذه البيئة الثرية تربى ثابت، حيث تنفّس منذ صغره هواء التنوع الثقافي، واغترف من علوم متعددة المشارب.
وفي سنواته الأولى، تعلّم مبادئ الحساب والتعامل بالأرقام، لكن عقله المتسائل كان يتجاوز العمليات البسيطة. كان يتأمل الأعداد والعلاقات بينها كما لو كانت عالمًا قائمًا بذاته، وبدأ يرى في الرياضيات لغةً كونية لفهم الوجود. وأتقن خلال تلك الفترة اللغات الثلاث ؛ السريانية التي فتحت له كنوز التراث العلمي للمنطقة، واليونانية التي مكّنته من الاطلاع المباشر على مصنفات الفلسفة والعلوم الإغريقية، والعربية التي أصبحت أداته للاندماج في المشروع الحضاري الإسلامي.
كان اكتشاف موهبة ثابت لحظة مفصلية في حياته العلمية. ففي مرحلة من شبابه، التقى بعلماء قادمين من بغداد، يُرجَّح أن يكون من بينهم محمد بن موسى بن شاكر أو من الدائرة العلمية المحيطة به. دار بينهم نقاش في الحساب والفلك، فأدركوا أنهم أمام عقل استثنائي يحتاج إلى بيئة علمية أوسع لصقل موهبته. وهكذا فُتحت أمام ثابت أبواب الرحيل إلى بغداد، حيث كانت العلوم تزدهر والعلماء يتلاقون.
انتقل ثابت بن قرة من حران إلى بغداد في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، خلال عهد الخلفاء العباسيين اللاحقين لعصر المأمون، فوجد نفسه في مدينة كانت أعجوبة زمانها، عاصمة الخلافة العباسية، ومركز العلم والثقافة في العالم الإسلامي.
وفي بغداد، انخرط في حركة الترجمة والنشاط العلمي المرتبط بالأوساط العلمية التي ازدهرت آنذاك، ولا سيما تلك التي دارت حول بيت الحكمة. ولم يكن بيت الحكمة مكتبة فحسب، بل مجمعًا علميًا للترجمة والبحث والتعليم، جمع تحت سقفه علماء من خلفيات ثقافية ودينية متعددة. وفي هذا المناخ، وجد ثابت بيئته المثالية لإطلاق طاقته العلمية.
بدأ ثابت عمله بالترجمة، لكنه لم يكن مترجمًا عاديًا. فقد نقل النصوص من اليونانية والسريانية إلى العربية، غير مكتفٍ بنقل الألفاظ، ساعيًا إلى نقل المعاني والأفكار. وكان يقارن بين النسخ المختلفة، ويصحح ما يراه من أخطاء، ويضيف شروحًا وتعليقات تكشف عمق فهمه للنصوص. ترجم أعمال إقليدس في الهندسة، وأرخميدس في الرياضيات، وجالينوس في الطب، فجاءت ترجماته أقرب إلى إعادة بناء علمي للنص، بلغة عربية دقيقة، مع شرح للمفاهيم الصعبة وتصويب للاستنتاجات الملتبسة.
وفي الرياضيات، ظهر نبوغه بوضوح لافت. ففي الهندسة، قدّم شروحًا وتعليقات مبتكرة على كتاب «الأصول» لإقليدس، ناقش فيها بعض البراهين واقترح صيغًا أوضح وأكثر إحكامًا. وأسهمت ملاحظاته على أعمال أرخميدس في حساب المساحات والحجوم في تطوير التفكير الهندسي، وهي دراسات تُعد من المقدمات التاريخية التي أسهمت لاحقًا في تطور مفاهيم رياضية أعمق.
غير أن إسهامه الأكثر أصالة كان في نظرية الأعداد، حيث اكتشف قاعدة رياضية لتوليد بعض أزواج الأعداد الصديقة، وهو إنجاز يُنسب إليه بوصفه ابتكارًا مستقلًا، يدل على عبقريته الخاصة، لا مجرد كونه ناقلًا للتراث السابق.
أما في علم الفلك، فقد كان عالمًا ناقدًا ومجددًا. درس النظام البطلمي دراسة معمقة، ولاحظ الفروق بين تنبؤاته النظرية ونتائج الرصد الفعلي، فعمل على مراجعة الجداول الفلكية وتحسين الحسابات. وكان تقديره لطول السنة الشمسية من أبرز إنجازاته، وتوصّل إلى قيمة متقدمة قياسًا بعصره، بالنظر إلى أدوات الرصد المتاحة آنذاك.
وكتب في حركة القمر، والكسوف والخسوف، محسنًا دقة التنبؤ بهذه الظواهر. واتسم منهجه بالجمع بين الحساب الرياضي الدقيق والملاحظة الفلكية المنتظمة، جامعًا بين النظرية والتطبيق، وهو ما ميّز أعماله عن كثير من معاصريه.
وفي الطب، ألّف عددًا من الرسائل، شارك بها في النقاشات العلمية الدائرة في عصره، متبعًا منهجًا تحليليًا يقوم على الدقة والمنطق. وعلى مستوى الفلسفة، كان من دعاة العقلانية، مؤمنًا بقدرة العقل الإنساني على فهم الكون عبر التفكير المنهجي والملاحظة المنظمة.
وخلال حياته التي امتدت نحو خمسة وستين عامًا، خلّف ثابت بن قرة تراثًا علميًا واسعًا. ففي الوقت الذي كان يترجم فيه أعمال السابقين، كان يؤلف أعماله الأصلية في الرياضيات والفلك والطب والفلسفة، متسمًا بالوضوح والدقة، جامعًا بين العمق العلمي وسلاسة العرض.
وتوفي في بغداد سنة 288هـ/ 901م، تاركًا وراءه إرثًا علميًا ضخمًا، وتلاميذ حملوا مشعل المعرفة من بعده.
وانتشرت كتبه وترجماته في أنحاء العالم الإسلامي، من الأندلس إلى خراسان، وأصبحت مرجعًا لعلماء الأجيال اللاحقة.
تأثر بأعماله عدد من كبار العلماء، وفي مقدمتهم البيروني، الذي استفاد من نتاجه في الرياضيات والفلك. كما أسهم منهجه القائم على الربط بين الحساب والرصد في تهيئة المناخ العلمي الذي ازدهر فيه لاحقًا علماء مثل ابن الهيثم.
ولم يقتصر تأثير ثابت بن قرة على العالم الإسلامي، امتد إلى أوروبا عبر الترجمات اللاتينية التي بدأت منذ القرن الثاني عشر الميلادي في الأندلس وصقلية. وأسهمت أعماله في تشكيل المعرفة العلمية في العصور الوسطى الأوروبية، وكانت من اللبنات التي مهّدت للنهضة العلمية.
وفي العصر الحديث، حظي ثابت بن قرة بتقدير واسع في دراسات تاريخ العلم، وأُطلق اسمه على إحدى الفوهات القمرية تكريمًا لإسهاماته في علم الفلك. وأصبح رمزًا للعالم الموسوعي الذي جمع بين الترجمة والإبداع، وبين احترام التراث والجرأة في نقده.
وهكذا، من حران إلى بغداد، قطع ثابت بن قرة رحلة علمية استثنائية، ترك خلالها بصمته في تاريخ الرياضيات والفلك، وأسهم في بناء صرح الحضارة الإسلامية العلمي. ورغم مرور أكثر من ألف عام على وفاته، ما زالت أعماله حيّة، تُدرَس وتُقدَّر، شاهدة على أن العطاء العلمي هو أبقى ما يخلّده الإنسان عبر الزمن.
وتبقى حران، مسقط رأسه، رمزًا لانطلاقته، وبغداد، مدينة علمه، شاهدتين على عطائه. ويمضي الزمان وتتغير العصور، لكن أعمال الرجال العظام مثل ثابت بن قرة تبقى، شاهدة على قدرة العقل البشري، ومصدر إلهام للأجيال المتعاقبة.