ناهد الأغا
جائزة الملك فيصل هي إحدى العلامات المضيئة في المسار السعودي الذي جعل من المعرفة قيمة سيادية، ومن العلم لغة تخاطب بها المملكة العالم، هي مشروع وطن تشكَّل في عمقه رؤية دولة آمنت مبكراً بأن بناء الإنسان هو الأساس الذي تُبنى عليه الحضارات، وأن المدن مهما علت لا تكتمل دون عقول واعية وأرواح مسؤولة.
من الرياض الحبيبة، وتلك الليلة المضيئة التي ارتفعت بها المعرفة راية، وتقدّم العقل ليقول كلمته.. أن هذه الأرض التي وحَّدت الجغرافيا، قادرة اليوم على توحيد الفكر.
أُعلنت قرارات لجان الاختيار لجائزة الملك فيصل لعام 2025، التي تشمل فروعها الخمسة: خدمة الإسلام، والدراسات الإسلامية، واللغة العربية والأدب، والطب، والعلوم، تحت رعاية صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل، رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية.
وفي فرع خدمة الإسلام، منحت الجائزة بالاشتراك لكل من رئيس مجلس إدارة شركة الفوزان، الشيخ عبداللطيف بن أحمد الفوزان نظير اعتماده منهجية متميزة للعمل الخيري تتمثَّل في دعم المبادرات النوعية المرتبطة بالاحتياجات التنموية، وتأسيسه (وقف أجواد) ليكون الذراع المجتمعي لإنشاء وتطوير المبادرات الإنسانية، والدكتور محمد أبو موسى، مصري الجنسية الذي كرَّس حياته لنشر العلم الإسلامي، وتأليفه أكثر من ثلاثين كتابًا تناولت إعجاز القرآن الكريم، وعضويته التأسيسية في هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف.
وفي فرع الدراسات الإسلامية، كرَّمت اللجنة الدكتور عبدالحميد حمودة والدكتور محمد وهيب حسين، تقديرًا لأبحاثهما الرصينة في طرق التجارة عبر العالم الإسلامي، ربطا ًبين التاريخ والجغرافيا والنص القرآني، لتضيء عصورًا من المعرفة والتبادل الحضاري.
أما جائزة اللغة العربية والأدب، فقد نالها البروفيسور بيير لارشيه الفرنسي لإسهاماته في نقل الأدب العربي إلى القارئ الفرنسي، ولجهوده النقدية والدراسات العميقة في الشعر العربي القديم.
وفي فرعي الطب والعلوم، تميَّزت البروفيسورة سفيتلانا مويسوف في اكتشافات علاجية ثورية، فيما أبدع البروفيسور كارلوس كينيغ في الرياضيات وتطوير التحليل الرياضي، فاتحين آفاقًا جديدة للتطبيق العلمي العالمي.
في جائزة الملك فيصل تتجاور اللغة والرياضيات، يتصافح الشعر والمختبر، ويجلس التاريخ إلى جوار المستقبل دون خوف، هي الجائزة التي تعرف أن الهوية لا تُحاصر، وأن العقل لا يُؤجَّل.
وهي الجائزة التي تسعى لتجسيد القيم والمثل الإسلامية، تُبرز للعالم أن الإسلام رسالة حضارة، وتذكِّرنا جميعًا أن الإنسان هو جوهر المشروع، وأن الفكر هو ما يجعل الحضارة صامدة وخلّاقة.
في عمقها، يسطع النور.. يسطع النور راية تُرفع على جبين الإنسانية، ومحرك حضارات تتعاقب على الأرض.
وأخيراً
نبارك.. ونرفع القلب مع كل نبضة فخر، للمملكة التي جعلت من المعرفة شعلة لا تنطفئ، ونبارك للعلماء والمفكرين والمبدعين، الذين رفعوا راية الفكر فوق كل ضجيج، ليصبح الوطن، بفكره وعطائه، حلمًا حقيقيًا، وقصة تُروى لكل الأجيال، وتبقى الجائزة رمزًا للفخر، وللعلم، وللإنسان الذي يصنع وطنه بالفكر والإبداع والقيم.