أريج كعكي
ما الذي تخبرنا به تقلبات أسعار النفط عن كفاءة الاقتصاد السعودي؟
لطالما كان النفط المؤشر الأكثر تأثيرًا في تقييم أداء الاقتصاد السعودي نظرًا لارتباطه المباشر بالإيرادات الحكومية. لكن التحولات الهيكلية الأخيرة ونجاح مملكتنا في تعزيز مساهمة القطاعات غير النفطية أعادت تعريف دوره اليوم، حيث لم يعد السؤال محصورًا في ارتفاع السعر أو انخفاضه، بل فيما تعكسه تقلباته من إشارات حول جودة السياسات، كفاءة إدارة الموارد، ومرونة الاقتصاد في مواجهة المتغيرات العالمية.
النفط لم يعد مجرد عامل خارجي يُفرض على صانع القرار، بل أصبح مؤشرًا إشاريًا حيًا يعكس متانة المنظومة الاقتصادية، ويتيح قياس فعالية السياسات المالية والتحرك الاستباقي بدل الاكتفاء بردود الفعل.
شهد عام 2025 تراجعًا واضحًا في أسعار النفط نتيجة ارتفاع المعروض مقابل ضعف الطلب العالمي. انخفضت الأسعار بنحو 19% مقارنة بالعام السابق، ليصل سعر خام برنت إلى نحو 60.85 دولارًا للبرميل. جاء هذا التراجع في ظل فائض المخزون العالمي وقرارات أوبك+ المتعلقة بالإنتاج، إضافة إلى زيادة الإنتاج من بعض الدول. ومع بداية 2026 تشير استطلاعات خبراء السوق إلى أن متوسط سعر خام برنت يتجه نحو 61.27 دولارًا مع احتمال استمرار الضغوط إذا تجاوز نمو الإنتاج العالمي مستويات الطلب.
رغم التقدم في تقليل الاعتماد المالي على النفط، تبقى هذه التقلبات مؤثرة على الإيرادات الحكومية، لكنها تحمل قيمة أكبر لصانعي القرار إذ توفر إشارات مبكرة حول الأداء الاقتصادي الفعلي، وليس مجرد ضغط مالي. عند تحليل هذه التقلبات ضمن منظومة بيانات متكاملة، يمكن تحويلها من انعكاس للسوق العالمي إلى أداة قياس لحظية للأداء الوطني، تكشف كيفية تفاعل الاقتصاد المحلي مع الانخفاض ومدى كفاءة السياسات في امتصاص أثرها.
خلال العام 2025 أظهرت البيانات اللحظية للمعاملات المالية الإلكترونية وحركة العقود الحكومية أن الإنفاق على القطاعات غير النفطية مثل اللوجستيات والخدمات ظل مستقرًا أو متزايدًا رغم انخفاض الإيرادات النفطية.
هذا الواقع يوضح قوة السياسات المالية وأدوات الدعم بالتعامل مع انخفاض أسعار النفط العالمي، كما يمنح صانعي القرار القدرة على رصد أي تباطؤ فوري في السيولة أو الاستثمار واتخاذ إجراءات تصحيحية قبل أن تظهر آثار التراجع في المؤشرات الرسمية.
تزداد فعالية هذه الأداة عند دمج أسعار النفط مع بيانات لحظية إضافية مثل حركة السيولة في المعاملات المالية الإلكترونية، مؤشرات التجارة الداخلية والخارجية، وكفاءة الطاقة الصناعية.
هذا التكامل يحوّل النفط من مجرد رقم مالي إلى أداة استراتيجية تحليلية يمكن استخدامها لتقييم جودة السياسات، تعزيز الاستدامة المالية، ورفع مستوى المرونة الاقتصادية.
ولتوظيف تقلبات أسعار النفط كأداة تحليل فعّالة، يمكن تبني عدة آليات استراتيجية:
مؤشر الاقتصاد اللحظي النفطي: يربط التغيرات السعرية بالنشاط الفعلي للقطاعات الاقتصادية، بحيث تتحول أي حركة في السعر إلى إشارات حول الإنتاج، الاستثمار، والاستهلاك.
التحليل الديناميكي للسياسات الاقتصادية: استخدام البيانات الكبيرة والذكاء الاصطناعي لفهم أثر كل موجة سعرية على القطاعات المختلفة، وتمكين تعديل الحوافز وأدوات الدعم بشكل مرن وفوري.
تعزيز التكامل بين القطاعين الحكومي والخاص: تبادل البيانات اللحظية وبناء قنوات تعاون لضمان قرارات استراتيجية دقيقة تعكس الأداء الحقيقي وتقليل المخاطر المستقبلية.
في المحصلة، لم تعد تقلبات أسعار النفط مجرد انعكاس للسوق أو رقم في الميزانية بل أصبحت أداة قياس ديناميكية تعزز الاستباقية، تحسن جودة اتخاذ القرار، وتدعم كفاءة السياسات الاقتصادية في السعودية. والرهان المقبل ليس على مستوى السعر بحد ذاته، بل على القدرة على قراءة إشاراته وتحويلها إلى قرارات واقعية وفعالة في التوقيت الصحيح بما يضمن استدامة الأداء الاقتصادي ومرونة المنظومة الوطنية.
** **
areejbk@outlook.com