منصور بن صالح العُمري
في سير القادة العظماء، ثمة فصولٌ لا ترويها إلا شواهد الميدان، ومواقف لا يدرك كنهها إلا من اقترب من دائرة القرار كل بحسبه.
وحين أتحدث عن مقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- إبّان توليه إمارة منطقة الرياض، فإنني لا أسرد ذكريات وظيفية عابرة، بل أدوّن ملامح مدرسةٍ فريدة في الحكم، تعلّمنا فيها أنَّ هيبة الدولة لا تتعارض مع رحمة القائد، وأنَّ النظام هو الملاذ الآمن للعدالة.
هيبةٌ تذوب في طمأنينة الأبوة
بحكم عملي مديراً لدار الملاحظة الاجتماعية، ثم مديراً عاماً للإدارة العامة للرعاية اللاحقة، ثم مديراً عاماً للإدارة العامة لرعاية الأيتام، وهي مواقع تلتقي فيها العدالة بالرحمة، ويُختبر فيها ميزان الدولة بين صرامة النظام وواجب الاحتواء الإنساني؛ كانت طبيعة المسؤولية تقتضي اللقاء المباشر بمقام سموه أحياناً. كانت تلك اللقاءات تبدأ بمهابةٍ تملأ الصدور، تليق بمقام «سلمان التاريخ»، لكن تلك الهيبة سرعان ما كانت تتحول إلى طمأنينة تنساب في النفوس حين يطالعنا بفيض أبوته، وإنصاته الذي يجعلك تدرك أنك أمام قائدٍ يستوعبُ الإنسان قبل أن يحاكمَ الموقف.
المسؤول «الخبير» بصناعة القرار
ما كان يدهشنا -نحن الممارسين الإداريين- هو إحاطته الدقيقة بأنظمة العمل؛ إحاطة العالِم بتفاصيلها والثغرات التي قد تشوبها. كان يحلل الازدواجية في القرارات برؤية ثاقبة، ويوجّه بسدّ الثغرات النظامية، أو يرفع للمقام السامي ما يراه محققاً للمصلحة العامة، حمايةً للأنظمة من الارتجال، وصوناً لحقوق العباد.
العدلُ فوق الشفاعة
في مجتمعنا المتراحم، كانت تَرِدُ شفاعات كثيرة في قضايا «الأحداث» أو «الرعاية اللاحقة للمفرج عنهم من السجون العامة»، وكان من بين الشافعين أصحاب سمو وإخوة كرام له. ومع ذلك، لم يقدّم الملك سلمان يوماً «الرغبة» على «النظام». كان يحيل الشفاعة للرأي المهني المختص، ويقف سداً منيعاً لحماية المسؤول من أي ضغوط جانبية، مؤمناً بأنَّ الحقوق لا تُوهب بالمجاملة، وأنَّ العدالة لا تتجزأ.
احترام استقلال القضاء
ومن أسمى المواقف التي شهدتها، حين طلب مني أحد أصحاب الفضيلة القضاة استئذان مقامه الكريم للأخذ بالقياس على حكمٍ سابق لسماحة الشيخ محمد بن إبراهيم -رحمه الله- في قضية شائكة، فكان رده التاريخي:
«قل له: هو القاضي، وعليه أن يحكم بما يراه، لا بما أراه أنا، ثم يرفع حكمه لنا، فننظر وفق صلاحياتنا فيما قرره، ونبدي الرأي بعد الحكم، لا إيحاءً قبله».
لقد رسّخ بهذا الموقف هيبة القضاء واستقلاليته، ضارباً أروع الأمثلة في الفصل بين السلطات واحترام مراتب العدالة.
بناء الإنسان لا مجرد إعاشته
ولم تكن رؤيته تقف عند حدود الضبط الإداري، بل امتدت لتشمل «الريادة الاجتماعية». فحين استأذناه في أول مشروع «لزواج جماعي للأيتام»، لم يكتفِ بالموافقة، بل احتضن الفكرة ودعمها بقلبه وسلطته وماله ، بل وأشرف بنفسه على مواصلة هذه الخدمة النوعية الرائعة إيماناً منه بأن دورنا الحقيقي هو بناء الأسرة وصناعة الاستقرار، لا مجرد تقديم الإعاشة.
خاتمة:
إن ما سطرته هنا هو شهادة حقٍ في رجلٍ جمع بين فطانة القائد وحكمة الحاكم وقلب الأب. لقد خرجتُ من كل لقاء معه وأنا أكثر ثقةً بأنَّ العدل في بلادنا بخير، طالما أنَّ ميزانه بيد من يرى في «النظام» ديناً، وفي «الرحمة» خلقاً.
حفظ الله خادم الحرمين الشريفين، وأدام عزه ذخراً للوطن وللإنسانية.