سالم بن محمد العيدي
في تاريخ المدن العظمى، لا تُقاس النهضة بعمر المشروع، بل بتراكم الرؤية واستمرارية البناء. والرياض، عاصمة المملكة العربية السعودية، تمثل نموذجًا فريدًا لمدينة لم تُبنَ على قرارات عابرة، بل على نهج دولة، قاده رجال وتسلم رايته رجال، حتى وصلت اليوم إلى ما نراه من تحول حضري شامل.
وتقف أمانة منطقة الرياض في قلب هذا المشهد، بوصفها الذراع التنفيذي الذي ترجم توجيهات القيادة، قديمًا وحديثًا، إلى طرقٍ وشبكاتٍ وأحياء وأنظمةٍ وخدماتٍ تمس حياة الإنسان يوميًا.
من التأسيس إلى التحول.. قصة مدينة
عاشت الرياض مراحل متعددة من النمو، وكان التحدي الأكبر دائمًا هو البنية التحتية: الطرق، وشبكات المياه والصرف، وتنظيم الأحياء، والتخطيط العمراني في مدينة تتوسع بوتيرة غير مسبوقة.
وفي مرحلة مفصلية من تاريخ العاصمة، وتحديدًا في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود - حين كان أميرًا لمنطقة الرياض - وُضعت اللبنات الكبرى للبنية التحتية الحديثة عبر عمل مؤسسي منظم، كانت أمانة المنطقة أحد أهم أعمدته؛ حيث سبق التخطيطُ التنفيذَ، وتقدّمت الرؤيةُ على التوسع.
جيل المؤسسين..
حين تُبنى المدن بهدوء
في تلك المرحلة، برز اسم والد الأمين الحالي - الأمير الدكتور عبدالعزيز بن محمد بن عياف ال مقرن مستشار خادم الحرمين ونائب وزير الداخلية - كأحد الأمناء الذين أسهموا في تأسيس البنية التحتية للرياض، في زمن لم تكن فيه الإمكانات كما هي اليوم، لكن كانت فيه الرؤية واضحة، والانضباط صارمًا، والعمل الميداني هو العنوان.
لم تكن الطرق مجرد إسفلت، ولا الشبكات مجرد أنابيب، بل كانت مشروع دولة يستعد لمرحلة قادمة. وهو ما أدركه الملك سلمان مبكرًا، فدعم التخطيط طويل المدى، وربط العمران بالهوية، والنمو بالاستدامة، لتكون الرياض مدينة المستقبل قبل أن يكتمل حاضرها.
الامتداد الطبيعي.. حين ترث القيادة القيم لا المناصب
اليوم، وبعد عقود من التأسيس، يتولى قيادة الأمانة الأمير الدكتور فيصل بن عبدالعزيز بن عياف آل مقرن، ليقدّم نموذجًا نادرًا في العمل العام: امتداد في القيم، لا مجرد تشابه في المسميات.
فالأمين الحالي لا يستحضر تاريخ والده بوصفه ذكرى، بل يترجمه إلى سلوك إداري ومنهج عمل: احترام العمل البلدي بوصفه عملًا وطنيًا لا إعلاميًا، الإيمان بأن البنية التحتية أساس كل تنمية، الانحياز للميدان قبل المنصة، وبناء المؤسسة قبل تضخيم الشخص.
من البنية التحتية إلى جودة الحياة
ما تغيّر اليوم ليس الهدف، بل أدوات التنفيذ. فقد انتقلت الأمانة من مرحلة تأسيس الشبكات إلى تعظيم الأثر الحضري، وتحسين جودة الحياة، والتحول الرقمي، وحوكمة الإجراءات، والاستدامة البيئية؛ وهو انتقال طبيعي لمدينة انتقلت من مرحلة «الاحتياج» إلى مرحلة «التميّز».
دعم القيادة.. استمرارية لا انقطاع
ما بين عهد الملك سلمان أميرًا للرياض، وعهده اليوم خادمًا للحرمين الشريفين، ظل الملف الحضري للعاصمة أولوية وطنية. والدعم الذي تتلقاه الأمانة اليوم ليس منفصلًا عن الماضي، بل امتداد له: تمكين الصلاحيات، تسريع اتخاذ القرار، ربط المشاريع برؤية السعودية 2030، ومحاسبة على الأداء لا على النوايا.
قفزات الأمانة وطموح لا يتوقف.. مشروع القطاعات نموذجًا
ضمن هذا المسار التصاعدي، برز مشروع التحول من نموذج البلديات إلى نموذج القطاعات كأحد أهم الإنجازات المؤسسية. لم يكن المشروع مجرد إعادة توزيع إداري، بل إعادة هندسة شاملة لإدارة العاصمة، نقلت العمل البلدي من التشتت الجغرافي إلى حوكمة قطاعية أوضح في المسؤوليات، أسرع في اتخاذ القرار، وأدق في قياس الأداء.
من البلديات إلى القطاعات.. لماذا؟
لأن المدن الكبرى لا تُدار بأدوات المدن الصغيرة. ومع التوسع الهائل الذي شهدته الرياض، كان لا بد من نموذج يحدّ من ازدواجية القرارات، ويوحّد المعايير والإجراءات، ويرفع كفاءة الإشراف والمتابعة، ويربط الأداء بالمؤشرات لا بالاجتهادات الفردية. وهنا جاء مشروع القطاعات ليعالج جذور المشكلة لا أعراضها.
قيادة القرار.. شجاعة الإصلاح
يُحسب هذا التحول الاستراتيجي للأمين الأمير الدكتور فيصل بن عياف، الذي تعامل مع الملف بعقلية إصلاحية واعية، تدرك أن أي تغيير حقيقي سيواجه مقاومة في بداياته، لكنه - إن كان مدروسًا - يصنع فارقًا طويل المدى. فالتحول إلى القطاعات لم يكن قرارًا سهلًا، لكنه كان ضروريًا.
أثر مباشر على المواطن
انعكس المشروع مباشرة على جودة الخدمة: وضوح الجهة المسؤولة، سرعة معالجة البلاغات، تحسين الرقابة الميدانية، وتقليص التفاوت في مستوى الخدمات بين الأحياء. وهذا هو جوهر العمل البلدي: أن يشعر المواطن بالفرق، لا أن يُشرح له الفرق.
الخلاصة:
إن مشروع القطاعات بدل البلديات ليس إجراءً تنظيميًا عابرًا، بل منعطف إداري مهم في تاريخ العمل البلدي في الرياض، يُحسب للأمانة، ويُسجَّل باسم أمينها، بوصفه قرارًا شجاعًا قدّم مصلحة المدينة على راحة النمط القديم.
الخاتمة
من جيل التأسيس الذي وضع البنية التحتية في عهد الملك سلمان أميرًا للرياض، إلى جيل التحول الذي يقود اليوم التنمية الحضرية بقيادة الأمير الدكتور فيصل بن عياف، تثبت أمانة منطقة الرياض أن المدن العظيمة لا تنهض بالصدفة، بل برجال يؤمنون بالاستمرارية، ويعملون بصمت، ويتركون الأثر يتحدث عنهم.