وسام النجار
في التجربة الإنسانية، لا تُقاس القوة بكمّ ما نتحمل، بل بمدى وعينا بما نحمله ولماذا نحمله. الحياة لا تفاوضنا على قدرتنا على التحمّل؛ هي تفترضها سلفًا. لكن العلم، بعكس العاطفة، لا يسأل: هل تستطيع؟ بل يسأل: هل ما تحمله يتناسب مع بنيتك؟
في العلوم السلوكية، الإرهاق ليس ضعفًا شخصيًا، بل خلل في العلاقة بين الحمل والحامل. حين تتجاوز الضغوط السعة النفسية والوظيفية، لا تكون النتيجة بطولة، بل احتراقًا. الإنسان لا ينكسر لأن الحياة ثقيلة، بل لأنه أُجبر أن يحمل وحده ما صُمِّم ليوزَّع.
القيادة المستدامة ليست بطولة فردية، بل هندسة ذكية للمسؤولية. القائد الحقيقي لا يمتص الأعباء، بل يعيد توزيعها، حتى لا تتحول القوة إلى استنزاف، ولا تتحول المسؤولية إلى هوية تلتهم صاحبها.
وهنا يمنحنا علم الطيران درسًا بالغ الدقة: الطائرة لا تُبنى على فكرة «الجزء الأقوى»، بل على فكرة «التوازن». الوزن لا يُلقى على جناح واحد، ولا على نقطة واحدة في الهيكل، لأن المهندس يعرف أن تركيز الحمل يعني فشلًا مؤكدًا مهما كان المعدن قويًا. القوة في الطيران ليست في الصلابة، بل في التوزيع.
حتى الطيار لا يعتمد على نفسه، بل على منظومة كاملة: صيانة، مراقبة، تخطيط، أجهزة، فن تواصل، إجراءات. النجاح لا يصنعه فرد، بل تناغم أدوار. الطيار لا يُكافأ لأنه تحمّل كل شيء، بل لأنه احترم ما يمنعه من أن يتحمّل كل شيء.
الإنسان في العمل والحياة ليس مختلفًا عن الطائرة في الجو. حين نُحمّل شخصًا واحدًا أكثر مما يحتمل باسم الكفاءة، فنحن لا نصنع قائدًا، بل نؤسس لنقطة فشل مؤجَّلة. توزيع المهام ليس تقليلًا من قيمة الفرد، بل حماية له، وللعمل معه.
روح الفريق ليست شعارًا، بل حاجة نفسية وبيولوجية. الإنسان يقوى حين يشعر أنه جزء من كيان، لا حين يُترك وحيدًا في الواجهة. الفريق الجيد لا يذيب الأفراد، بل يجعل كل فرد أقوى لأنه ليس وحده.
في علم النفس، هناك ما يُسمّى «اندماج الدور بالذات»: أن يصبح الإنسان ما يفعل، لا من يكون. عندها لا يعود التعب إرهاقًا، بل تآكل داخليًا، لأن سقوط الدور يعني سقوط المعنى. وأخطر أنواع الاحتراق هو الذي يحدث بصمت. كما تُفحص الطائرة دوريًا بحثًا عن إجهاد المعدن، يجب أن تُفحص البيئات الإنسانية بحثًا عن إجهاد البشر. المعدن المتعب لا ينكسر فجأة، بل يرسل إشارات قبل الفشل.
والإنسان كذلك: يفقد المعنى، يقل تركيزه، ينسحب داخليًا، ثم ينهار. تجاهل هذه الإشارات باسم «التحمّل» هو جهل بعلم الإنسان. وهنا تأتي القيم كقوانين تشغيل، لا كزينة أخلاقية. الأمانة ليست خُلُقًا إضافيًا، بل أساس الثقة. والصدق ليس قسوة، بل نظام إنذار مبكر. به نرى الخلل قبل أن يصير كارثة. كما أن أجهزة الطائرة لا تجامل الطيار، بل تعطيه الحقيقة، فالإنسان يحتاج بيئة تصدقه لينجو، لا تخدعه ليهدأ.
أما التواصل، فهو جهاز الأعصاب الاجتماعي. أغلب الأخطاء لا تولد من سوء نية، بل من صمت في وقت كان يجب فيه الكلام. وفي قلب كل تطوّر، يأتي الابتكار كقانون حركة. التوازن يحفظ، لكن الابتكار ينقل. الفريق يحمي، لكن الابتكار يفتح المستقبل. الإنسان لم يصل إلى السماء لأنه كان أقوى، بل لأنه تخيّل ما لا يُرى ثم صدّقه، ثم صنع له جناحًا.
التطوّر الحقيقي لا يعني أن نركض أسرع، بل أن نفكّر أذكى. ليس أن نستهلك أكثر، بل أن نستخدم العقول أفضل. التقدّم لا يُقاس بعدد الساعات، بل بجودة القرارات، ووضوح الاتجاهات، وفهم التوزيع.
وأفضل طرق الإدارة ليست في السيطرة، بل في الرؤية. ليست في الأمر، بل في الإلهام. ليست في مراقبة الناس، بل في تمكينهم. القائد الناجح لا يسأل: من أخطأ؟ بل يسأل: ماذا في النظام سمح بالخطأ؟
الإدارة الذكية تبني أنظمة لا تعتمد على الأبطال، بل على الوضوح. لا تحتاج أشخاصًا خارقين، بل أدوارًا واضحة، ومسؤوليات عادلة، وقرارات شفافة. أفضل بيئات العمل ليست تلك التي تُرهق الناس لتُنتج، بل التي تُنقذ الناس لكي تستمر. فالاستدامة ليست في الضغط، بل في التوازن بين الأداء والإنسان. لكن كل تحوّل يواجه مقاومة. العقل يخاف ما لا يفهمه، وما لا يفهمه، يحاربه: بالتأجيل، بالتشكيك، بالسخرية، أو بالصمت.
وأخطر مقاومة للتغيير ليست المواجهة، بل الإهمال. الثقافة التي لا تتعلّم كيف تتغيّر، تتحول مع الوقت إلى قيد غير مرئي، يقيّد حتى الأذكياء. والتحول الحقيقي لا يُفرض بالقوة،
بل يُفهم بالعلم، ويُقنع بالصدق، ويُبنى بالتدرّج. الحكمة لا تُقاس بكم نتحمّل، بل بقدرتنا على تصميم حياة لا تطلب من الإنسان أن يكون غير بشري كي ينجح.
من يعرف حدوده لا يقل قوة عمّن يتجاوزها، بل غالبًا يكون أهدأ وأطول بقاءً. والقائد الذي يبني بيئة لا يحتاج فيها الناس أن يحترقوا ليُثبتوا كفاءتهم، هو قائد يفهم الإنسان قبل أن يدير العمل. ومع كل هذا، يبقى سبب علمي للتفاؤل: الإنسان يتعلّم. يخطئ، ثم يصحّح. يتعب، ثم يعيد التصميم. يسقط، ثم ينهض بعقل أهدأ من السابق. كما أن الطائرة لا تطير بعضلة، بل بتوازن، ولا تنجح بفرد، بل بفريق، ولا تستمر بالشد، بل بالأمانة، ولا تتقدم بالصمت، بل بالتواصل، ولا تصل بعيدًا بلا ابتكار وتحول واعٍ وشجاع.. بل بحكمة تعرف كيف تحفظ، وكيف تغيّر، وكيف تجعل الإنسان.. إنسانًا، وفي داخله دائمًا قابلية للنهوض من جديد، لأن الحياة كل يوم هي أن نبدأ من جديد لترك أثر أجمل من الأمس؟!