فائز بن سلمان الحمدي
لم يَعُد سموّ ولي العهد الأمير محمد بن سلمان اسمًا يتداول في سياقات الحكم العابرة، ولا عنوانًا يُستدعى في مناسبات السياسة الظرفية، بل غدا حقيقةً تاريخيةً مكتملة الأركان، ودلالةً سياديةً على انتقال المملكة من طورٍ إلى طور، ومن مفهوم الدولة الحارسة إلى الدولة الصانعة، ومن زمن التكيّف إلى زمن المبادرة. لقد تجسّدت فيه ملامح البطولة الوطنية لا بوصفها حالةً عاطفية، بل باعتبارها قدرةً استثنائية على الإمساك بلحظة التحوّل، وتوجيهها، وتحمّل أثقالها، وصوغ مسارها بإرادةٍ واعية لا تعرف التردّد. ومنذ أن تَقدّم سموّه إلى واجهة القرار، أدرك أن الخطر الأكبر لا يكمن في نقص الإمكانات، بل في ضمور الخيال السياسي، وأن الأمم لا تتعثر حين تفتقر إلى الموارد، بل حين تُصاب بالركود الفكري وتخشى القطيعة مع المألوف، فكانت إعادة صوغ رؤية السعودية فعلًا تأسيسيًا عميقًا، نقل الدولة من إدارة الحاضر إلى صناعة المستقبل، ومن حسابات البقاء إلى منطق النهضة. رؤيةٌ لم تُبنَ على الشعارات، بل على قراءة دقيقة للزمن، وفهم صارم لقوانين التاريخ، وإيمانٍ راسخ بأن الجرأة المحسوبة هي شرط التقدّم، وأن الوقوف في المنتصف ليس حيادًا بل خسارة.
وفي قلب هذا المشروع التحويلي، أعاد سموّ ولي العهد الاعتبار للإنسان السعودي بوصفه رأس المال الأثمن، ومحور التنمية، وغاية الدولة ووسيلتها. فأطلق طاقات العمل والإنجاز إطلاقًا غير مسبوق، وحرّر المجتمع من أثقال التعطيل، وفتح أبواب الفعل أمام الشباب، لا ليكونوا زينة المشهد، بل عماده، ولا ليقفوا على هامش القرار، بل في صميمه. كما أعاد للمرأة مكانتها الطبيعية في معادلة البناء الوطني، لا بمنطق المنّة، بل بمنطق العدل، ولا بروح الاستثناء، بل بروح الشراكة، فكان التمكين استعادةً للتوازن، وتكريسًا لفكرة أن الأوطان لا تنهض بنصف طاقتها.
وعلى مستوى الدولة، خاض سموّه معركةً شاقة مع الترهل، فرفع كفاءتها، وأعاد هيكلة مؤسساتها، وربط النفوذ بالمسؤولية، والقرار بالمحاسبة، والوظيفة العامة بالإنجاز. تحوّلت الدولة من كيانٍ يستهلك الزمن إلى منظومةٍ تحسن استثماره، ومن جهازٍ مثقل بالإجراءات إلى بنيةٍ رشيقة تُدار بالعقل وتُقاس بالنتائج. وكان هذا التحوّل، في جوهره، انتقالًا أخلاقيًا في فلسفة الحكم، أعاد الاعتبار لمعنى الأمانة، ورسّخ أن الاستقرار لا يُصان بالقوة وحدها، بل بالعدل والكفاءة معًا.
وفي زمنٍ عربيٍّ بالغ الاضطراب، حيث تتفكك الأقاليم، وتتآكل الدول من داخلها، وتختلط الأوراق بين الصراعات والمشاريع العابرة للحدود، برز سموّ ولي العهد قائدًا يقرأ المخاطر بوعيٍ استراتيجيٍّ نافذ، ويتعامل مع التفكك الإقليمي لا بوصفه مشهدًا خارجيًا، بل تهديدًا مباشرًا للأمن والاستقرار. فكان ضبط الموازين بحزمٍ عاقل، وقوةٍ منضبطة، وسياسةٍ تعرف متى تشتد ومتى تُمسك بزمام الاتزان، دون أن تفرّط في السيادة أو تساوم على المصالح العليا.
ومن هنا، تجاوز سموّه الإطار الوطني ليغدو رمزًا عربيًا عابرًا للحدود، رمزًا لقيادةٍ جديدةٍ تستعيد مفهوم الدولة القادرة، وتعيد للقرار العربي وزنه، وللسيادة معناها، وللمستقبل احتماله. قيادةٌ لا تُدار بردود الأفعال، ولا تخضع لابتزاز الفوضى، ولا تتوارى خلف اللغة الرمادية، بل تمضي بثقةٍ محسوبة، تعرف أن القوة إذا لم تُحسن إدارتها انقلبت تهورًا، وأن الحكمة إذا لم تسندها الصلابة تحوّلت ضعفًا.
وهكذا، فإن الأمير محمد بن سلمان ليس ظاهرةً عابرة في سياقٍ مضطرب، ولا اسمًا لمرحلةٍ مؤقتة، بل تجسيدٌ لتحوّلٍ عميقٍ في فلسفة الحكم، وفي علاقة الدولة بشعبها، وفي موقع العرب من معادلات العالم. قائدٌ أدرك أن الزمن لا ينتظر المترددين، وأن التاريخ لا يرحم من يضيّعون الفرص، وأن النهضة لا تُبنى بالأمنيات، بل بالإرادة الصلبة، والعمل الدؤوب، والرؤية الواضحة. وبهذا الوعي، وبهذا الفعل، يكتب سموّه فصله في تاريخ وطنه لا بالحبر، بل بالإنجاز... والإنجاز وحده هو الذي يبقى، ويشهد، ويصمد أمام تقلبات الزمن.