اللواء الركن م. د. بندر بن عبدالله بن تركي آل سعود
السعودية ليست دولة طارئة على مسرح الحياة، بل أشرقت شمسها قبل ثلاثة قرون بالتمام والكمال. صحيح أن نجمها أفل مرتين، غير أنها في كل مرة كانت تعود أكثر قوة ومنعة وحزماً وعزماً على الاستمرار بالزخم نفسه إلى الأبد إن شاء الله، لأنها دولة صاحبة فكر يرتكز على مبدأ إعلاء كلمة الله وخدمة الحرمين الشريفين ورعاية ضيوف الرحمن، ومناصرة العرب والمسلمين حيثما كانوا، ومساعدة المنكوبين من خلق الله في كل مكان.
لم تكن دولة تسلُّط ولا دولة شهوانية تلهث خلف السلطة والثروة والنفوذ كما يؤكد قائد ركبها اليوم، خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وسجلها في هذا المجال حافل وعامر يشهد به العجم قبل العرب والأعداء قبل الأصدقاء، والأصدقاء قبل الأشقاء؛ وقد توَّجته اليوم بتأسيس مركز عالمي للإغاثة والأعمال الإنسانية، ينثر الخير حيثما كانت هنالك حاجة.
هذه هي السعودية، دولة راكزة، أسستها سواعد أبنائها التي تنميها وتحميها على الدوام، لم تكن يوماً من الأيام مقراً للاستعمار ولا للحكم الأجنبي ولا ممراً لهما، كما أكد الراحل الكبير الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود. فهي ليست دولة وظيفية لخدمة أحد، أو لتنفيذ أجندة قوي على ضعيف، مهما كانت قوة القوي، ومهما بلغ ضعف الضعيف؛ حاديها في هذا المبدأ الذي أقره الصديق: (القوي ضعيف حتى آخذ الحق منه، والضعيف قوي حتى آخذ الحق له).
دولة حقيقية تمتلك كل مقومات الدول الكبيرة التي تستطيع التأثير في العالم أجمع، وُجِدَت لتبقى مشعلاً للنور والأمن والسلام، ومحارباً قوياً للفوضى والظلم والظلام. هي الدولة الوحيدة في العالم التي تعلن على الملأ سياستها الداخلية والخارجية في كل عهودها، وتلتزم بها على الدوام دونما مواربة: لا تتدخل في شؤون أي دولة، وبالمقابل لا تسمح لأي دولة بالتدخل في شؤونها الداخلية. ولهذا كان مؤسسها يعلنها صراحة لمناوئيه: عودوا إلى رشدكم، وإلا فاستعدوا للقائنا يوم كذا الساعة كذا.
ولهذا تتسابق اليوم حتى الدول العظمى للتعامل معها على مبدأ النِّدية، لا مبدأ الاستغلال كما تفعل مع بعض الدول الصغيرة التي تتنقل في ولائها كما يفعل العصفور في تنقله من شجرة إلى أخرى ومن غصن إلى آخر، فلا يصدق لها حديث ولا يثبت لها ولاء، ولا يسمع لها رأي ولا ينفذ لها قرار. ولمن لا يعلم: لقد سبقت الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس الجميع في معرفة مكانة السعودية وقدرها وأهميتها وقوتها، إذ زار لويس بيلي المقيم البريطاني في الخليج، الإمام فيصل بن تركي قبل أكثر من قرن ونصف القرن، في محاولة للتقرب منه، بعد أن غسل يديه من الآخرين لعدم ثقته في قدراتهم ووعودهم وعهودهم، وبالمقابل لقناعته بقدرات الإمام فيصل بن تركي.
هي الرياض التي قادت أكثر من ثلاثين دولة بما فيها الدول العظمى لتحرير دولة الكويت الشقيقة من براثن صدام حسين.
هي الرياض التي قادت دول الخليج لإنقاذ البحرين من فك إيران.
هي الرياض التي أنقذت سوريا ولبنان أيضاً من فك إيران.
هي الرياض التي قادت التحالف العربي لإنقاذ اليمن من فك إيران أيضاً والمحافظة على وحدته وأمن المنطقة.
هي الرياض التي أسست مشروعات عديدة في اليمن، دعماً للإخوة اليمنيين في سائر ربوع البلاد، بل تدعم اقتصادها باستمرار.
هي الرياض التي فتحت قلبها قبل أبوابها، للأشقاء العرب الذين لجأوا إليها من لهيب الحروب وبطش الحكام.
هي الرياض التي وقفت بصدق مع الأشقاء في السودان في مأساتهم المفجعة، دعماً إنسانياً وسياسياً غير محدود، فآوت كل قاصد لها، هارب من جحيم الحرب.
وهي الرياض أول دولة عربية تعيد بعثتها الدبلوماسية إلى السودان لتمارس اليوم أعمالها كالمعتاد.
وبعد: أنصح أن يتوب إلى خالقه مَن تاه عن الطريق الصحيح وأن يعود إلى رشده ويقلع عن غيِّه، وأن يدرك حقيقة دافعيه إلى هذا العبث والخراب والدمار واللعب بالنار، وأنصحه قبل هذا وذاك كله أن يعرف حجمه وحقيقة قدراته المتواضعة، وإلا فانتظر حزماً كحد الأجرب، وعزماً يتحدى الجبال الراسيات.