عبدالرحمن الحبيب
صدرت العديد من الآراء لتحليل وفهم المستوى الثقافي والفني للعالم منذ انتشار الإنترنت خاصة وسائل التواصل الاجتماعي وانتشار الفيديوهات القصيرة المثيرة، والمعتاد أن نتلقَّى تحليلات تشير إلى ركود ثقافي وتراجع الإبداع الفني الراقي مقابل الأعمال السطحية الملفتة للانتباه هدفها الأرباح التجارية؛ لكن هناك من يرى أن في ذلك مبالغة إذ يتوفر في النت تنوع هائل في الإنتاج الثقافي لم يحصل مثله في التاريخ، أما انتشار الأعمال السطحية على حساب الفنون الإبداعية فهو صفة قديمة معتادة، ومثله الحنين إلى الماضي الذي يزعم أن الفن والثقافة لم يعودا جذابين كما كانا؛ كذلك فإن هدف الربحية من الأعمال الثقافية كان سائداً منذ القدم.
الرأي الأول يمثل التيار التحليلي العام، يطرحه المؤرخ الثقافي والناقد الفني دبليو ماركس الذي يزعم أننا دخلنا في فراغ ثقافي منذ بدء القرن الحادي والعشرين، وفقاً لكتابه الجديد «الفضاء الفارغ: تاريخ ثقافي للقرن الحادي والعشرين» (Blank Space: A Cultural History of the Twenty-First Century) فعبر رصد التاريخ الثقافي يستعرض رؤى اجتماعية واقتصادية وسياسية في الفن والثقافة والأزياء والتكنولوجيا، ليُحلل صعود التوجهات النمطية المدفوعة بالربح والانتشار السريع على حساب الابتكار، لتظهر ثقافة سطحية مضادة للجرأة الإبداعية، تتبع استراتيجيات تسويقية تُرضي جميع الأذواق، فترفع الأسعار وتُخفض الجودة.
يروي الكتاب قصصاً يعتبرها ثقافات سطحية أو أحادية أو رجعية من مجلات ومواقع انترنت وبرامج تلفزيونية وأغان وغيرها تعتمد على النجاح التجاري والانتشار، وتدفق هائل يُبقينا ندور في حلقة مفرغة من المحتوى الساذج، حتى بات الابتكار الفني نادرًا ومهمشا.
يتحدث ماركس عن الأمريكيين الساخطين الذين يلتهمون الوجبات السريعة من المنصات الرقمية والميمات (الصور والفيديوهات المثيرة القصيرة)، وتختار استوديوهات الأفلام نهجًا آمنًا رتيباً بإنتاج أفلام نمطية؛ ويُعرب ماركس عن أسفه لتحوّل «قيمنا الثقافية نحو إهمال، إن لم يكن رفضا، الإبداع الثقافي»، وأصبح تلبية رغبات الناس لمضامين يعرفونها مسبقًا، وسيلة مضمونة لجذب النقرات لشركات الإعلان، وصارت الشعبية هي المعيار الأسمى للقيمة، وتحوّل مبدأ «دع الناس يستمتعون بالأشياء» من مجرد آداب ولباقة إلى واجب أخلاقي عليك تبجيله: إذا أعجب عدد كافٍ من الناس بشيء ما، فلا بد أنه رائع، ويجب علينا وضعه في الصدارة.
يكتب ماركس: «مع عدم إلزام المبدعين بالسعي نحو التميز الفني، أصبحت الثقافة معركةً تافهةً لجذب الانتباه»، وإذا كان الاحتفاء بالأعمال التافهة يأتي في السابق من الهامش فقد أصبحت حالياً يأتي من مراكز النفوذ الرسمية.
بالمقابل، الكاتب مارتن غيلين وهو مؤلف في الثقافة والسياسة وحائز على جوائز عالمية، كتب متسائلاً: هل نعيش حقاً في ظل ثقافة عالمية أحادية؟ ويجيب بأن «زعم ماركس في كتابه بوجود فراغ ثقافي غير مقنع، فمن السخف الحديث عن ثقافة أحادية عالمية أو ركود ثقافي في عصرٍ يشهد وفرة ثقافية غير مسبوقة مع سهولة الوصول إلى الفنون والترفيه من جميع أنحاء العالم؛ في الواقع، نحن أبعد من أي وقت مضى عن ثقافة أحادية.» غيلين لا يتفق مع التعميم بشأن «الثقافة» وكأن مليارات البشر يعيشون الواقع نفسه، فلم يسبق أن كان هناك هذا التنوع الثقافي الهائل المتاح للناس حول العالم، فنحن نعيش في زمنٍ يُمكن فيه للجمهور العالمي أن يُعجب بأعمال فنية وأدبية من الصين أو كوريا إلى معاناة فلسطين وأوكرانيا.
يتفهم غيلين مطالبة ماركس بفنٍّ عميق معقدٍ وجريء في وقتٍ تفرض فيه العديد من منصات التكنولوجيا محتوىً سطحيًا على المستخدمين، لكنه يرى أن ماركس يُبالغ في استنتاجه العام بتشوه الفن والثقافة العالميين، ويرى أن ماركس يقع في فخّ الحنين للماضي (نوستلجيا) عندما يكتب أن فناني عصرنا البارزين قد فقدوا نزاهة وأصالة العصور السابقة، ويضيف بأن فكرة ماركس غير التاريخية تتجاهل حقيقة أن العديد من روائع الماضي كان هدفها الربحية، وكثير من الفنانين والأدباء العظام كان إنتاجهم من أجل الحصول على المال، وكان الكثير من الفن الخالد مجرد أعمال أشخاص لسداد فواتيرهم.
ويطرح غيلين أمثلة لنفس الشكوى في فترات اعتبارها ماركس نفسه العصر الذهبي للإبداع البشري، سواء أكانت التسعينيات أم السبعينيات أو حتى القرن التاسع عشر، ويرجح غيلين أن تلك الشكوى تُبيِّن فقط أن هذا الشعور مستديم: فالنقاد المُطّلعون يُدوّنون باستمرار شكاوى حنينية حول غباء ثقافة عصرهم الفريد، وحزنهم بأن الأمور لم تعد تبدو رائعة كما كانت من قبل.
يقول غيلين: «في عام 1884، نشر الناقد الفرنسي جوريس هويسمانز ما يُعتبر، بلا منازع، تحفة فنية في التشاؤم الثقافي، وهي رواية «ضد الطبيعة»، حيث ينعزل بطل الرواية عن المجتمع الباريسي ليعيش في عزلة، مُستاءً مما يراه ابتذالًا وماديةً وسطحيةً في ثقافة الطبقة البرجوازية الحديثة، ويشكو من أن العالم المعاصر مُفلس روحيًا وجماليًا، وأن الفنانين والكتاب لا يُلبّون إلا أذواق الجماهير السطحية.. بينما تعتبر ثمانينيات القرن التاسع عشر، هي ذروة الابتكار الثقافي الذي شهدته فرنسا.»
ويختم غيلين مقاله مؤكداً «إن أكثر المقالات نقدًا للانحطاط الثقافي غالبًا ما تُنشر في أوقاتٍ تكون الثقافة في أوج ازدهارها».