نجلاء العتيبي
«في دار إخوانك يا نورة
العالم صارت مبهورة
هذي دار العز وسوره
ونبع الدين وذرا الأُمَّة»
في افتتاح مهرجان الزيتون الدولي لم يُقدَّم التراث كمجرد استعراض تقليدي، وإنَّما كرسالة حضارية تعبُرُ الحدود، وتخاطب العالم بلغةٍ يفهمها؛ محافظة على أصالتها وصدقها، تمَّ تقديمه بالإنجليزية لتعريف العالم بتاريخ هذا الفن وإيقاعه وقيمه التي تعكس شجاعة المجتمع السعودي ووحدته وتلاحمه، هذا الاختيار لم يُقلل من الجوهر، وإنما أبرز التراث في أبهى صوره، وقدَّم الموروث بطريقة حيَّةٍ قادرةٍ على أن تصل إلى كل قلب مهما اختلفت ثقافته أو لغته.
هذا التراث ليس مجرد رقصة أو إنشاد، وإنما فعل جماعي ينبُعُ من ذاكرة عميقة صاغتها الصحراء، احتضنته القبائل، ووصل إلى العالم بصوت متماسك يحمل معنى الانتماء والفخر الوطني، الإيقاع ثابت، والحركة متناسقة، والترديد متصل بالقلب قبل الأُذُن.
فالكبار تابعوه باعتزاز؛ لأنهم رأوا فيه امتدادًا لتاريخهم، والصغار انجذبوا إليه؛ لأنه خاطبهم بمضمونٍ حيٍّ لا يختفي في التاريخ، ويحيا في الحاضر، ويُهيّئ المستقبل.
انتشرت المقاطع المصوَّرة، وأبهرت العالم ليس لأنها غريبة أو استعراضية، وإنما لأنها صادقة.
فكانت رمزًا حيًّا لهوية وطنية راسخة، وتجسيدًا لقيم العز والفخر، فكل حركة، وكل ترديد، وكل صوت جماعي كانت رسالةً مُفادها أن هذا الموروث ليس ذكرى تُحفظ في الكتب، وإنما حضور حي يفرض الاحترام، ويستعيد الذاكرة المشتركة من صحراء الشمال، حيث وُلد لتعزيز الحماسة، وإعلان الانتصار إلى المنصات الدولية، حافظ التراث على بنيته ورسالة أصالته، واختيار تقديمه بالإنجليزية لم يكن تحايلًا على الجوهر، وإنما وسيلة لتأكيد أنه حين يمتلك الإنسان أصالة يستطيع أن يتواصل مع العالم دون أن يتنازل عن جوهره.
فاللغة لم تُغيّر الإيقاع أو العمق، وإنما وفَّرت جسرًا بين الذاكرة المحلية والرؤية العالمية، بين الماضي والحاضر، بين روح المكان وفضاء العالم، وكل من شاهد أو سمع الأداء شعر بأنه أكثر من فنٍّ؛ إنه نبض ثقافة كاملة، وحالة فخرية لا تحتاج إلى وصفٍ.
فهذا التراث يحمل تاريخًا طويلًا وقد وثَّق حضوره المبكر المستشرق الألماني ماكس في عام 1915م في مشهدٍ يُثبت أنه لم يُبتدع مؤخرًا، وإنما هو إرث حي مستمر، وأظهر التوثيق كيف كانت وسيلة التعبير عن الانتصار والشجاعة، وكيف بقي بعد مرور أكثر من قرنٍ كحالة متجددة لا تفقدُ قيمتها، ولا تنحسر أمام التحديات الحديثة.
فكل جيل يُضيف إليه روحًا جديدة، ويحافظ على جوهره، مؤكدًا أن الفن الوطني ليس مجرد تقليدٍ، وإنما تجربة حياة متواصلة تعكسُ تلاحم المجتمع السعودي مع تاريخه وجغرافيته وثقافته.
فحين تُردد الجماهير الكلمات، وتشارك الحركات، يتشكَّل إحساس جماعي بالانتماء والفخر، فالصوت الواحد والصفوف المتناغمة ليست أداءً فقط، وإنما إعلان عن هوية راسخة، وفكر مستمر، والكلمات الإنجليزية التي استخدمت في العرض وسَّعت نطاق الرسالة لتصل إلى كل مكانٍ في العالم، مُؤكّدة أن الفخر الوطني يمكن أن يُعرض بطريقة عصرية دون أن يفقد أصالته.
فالتراث اليوم بصوره الحديثة والممتدة ليس مجرد تقليدٍ، وإنما حضور حي متصل بالحاضر يربط الماضي بالمستقبل، وينقل الأجيال الجديدة إلى تجربة مباشرة مع الهوية والثقافة، وكل حركة، وكل ترديد جماعي، وكل إيقاع يُذكّر المشاهد أن هذا الوطن يمتلك جذورًا عميقة، وأن ما يُقدَّم بصدقٍ يتحوَّل من ذكرى إلى رسالة، ومن ممارسة محلية إلى خطاب عالمي يفرضُ الاحترام والفخر، هكذا يُصبح التراث قوة ناعمة، ولغة تواصل، ومرآة لقيم مجتمع، يعيش أصالته دون أن يتراجع أمام تحديات العصر.
ضـــوء
«الهوية تتجسَّد في الموروث، تشد الإنسان إلى أصله، تمنحه جذورًا ثابتة، وتضيء دربه بالقيم والعزيمة».