د. رانيا القرعاوي
في زمن الرسائل السريعة أصبحت الشائعة اختبارًا يوميًا لقدرة المؤسسات على حماية الثقة العامة. فالناس لا تتعامل مع الشائعة بوصفها «خبرًا ناقصًا» فقط، بل بوصفها تهديدًا محتملًا يمسّ حياتهم أو صحتهم أو أمنهم أو رزقهم. ولهذا تنتشر الشائعة عادةً وهي محمولة على الخوف: الخوف على الصحة، الخوف على الأمان، والخوف من الندم الاجتماعي «لو كانت صحيحة ولم أحذّر غيري». هذا النوع من الخوف يجعل الرسالة تنتقل بسرعة أعلى من سرعة التحقق، وتصل إلى الجمهور قبل أن يصل إليه الصوت الرسمي.
المؤسسات في هذه اللحظة أمام خيارين: إما أن تترك الفراغ يتمدد، أو أن تدخل بوعي لتعيد ضبط المشهد. الخطأ الشائع أن تتعامل المؤسسة مع الشائعة باعتبارها «لا تستحق الرد» أو «ستختفي وحدها». لكن الواقع أن الشائعة لا تموت دائمًا؛ أحيانًا تتحول إلى قناعة، وأحيانًا تتحول إلى توتر عام، وقد تتحول إلى قرارات فردية خاطئة وتداعيات أكبر من حجمها. لذلك فإن التعامل المؤسسي مع الشائعة ليس دفاعًا عن السمعة فقط، بل حماية للناس من أثر نفسي واجتماعي واقتصادي يتضخم بصمت.
هنا تظهر أهمية نظرية التأطير الإعلامي (Framing). الشائعة غالبًا تُؤطّر الحدث داخل إطار كارثي أو غامض: خطرٌ قريب، مصدرٌ غير محدد، لهجة استعجال، وطلب مباشر للنشر. وبهذا الإطار تُختصر على المتلقي المسافة بين الخوف والقرار، فيشارك قبل أن يفهم. دور المؤسسة ليس أن تنفي فقط، بل أن تغيّر الإطار: تنقل المتلقي من «فزع» إلى «فهم»، ومن «هلع» إلى «معلومة قابلة للتحقق». المؤسسة التي تنجح في إدارة الشائعة هي التي لا تحارب النص فقط، بل تحارب الإطار العاطفي الذي يجرّ الناس للمشاركة.
الدراسات الحديثة تساعدنا على فهم لماذا يتطلب هذا الأمر استجابة ذكية وسريعة. مراجعة بحثية منشورة عام 2024 تشير إلى أن العواطف مثل الخوف والغضب والانفعال تزيد قابلية مشاركة المعلومات المضللة، لأن المحتوى العاطفي يستفز الاستجابة السريعة قبل أن تعمل آليات التحقق البطيئة في العقل. وهذا يفسّر لماذا لا يكفي أن تُصدر المؤسسة بيانًا مطولًا بعد ساعات؛ فالشائعة تكون قد أدت دورها النفسي خلال دقائق.
بل إن الأمر يتجاوز الانفعال إلى مساحة «تبرير المشاركة». دراسة حديثة (2025) تناولت مشاركة الأخبار الزائفة عبر واتساب وجدت أن بعض السلوكيات تتصل بتقبل أو تبرير استخدام الأخبار الزائفة، وأن ذلك يرتبط بمشاركة الأخبار الزائفة على واتساب.
وهذا يعني أن المؤسسة لا تواجه فقط «سوء فهم»، بل قد تواجه بيئة تسمح للشائعة أن تتكرر لأنها تخدم صراعات أو نزعات أو رغبة في إثبات موقف، لا مجرد الرغبة في التحذير.
إذن كيف يجب أن تتعامل المؤسسات؟ أول قاعدة هي السرعة المدروسة: أن تكون هناك آلية واضحة للرصد والتقييم ثم الرد دون تسرّع في المعلومات؛ لأن التأخر يخلق فراغًا، والفراغ في زمن الشائعات ليس مساحة صمت، بل مساحة إنتاج.
القاعدة الثانية هي أن الرد لا يكون بنبرة غضب أو استعلاء، لأن الجمهور الذي شارك لم يكن بالضرورة سيئ النية، بل كان خائفًا. المؤسسة التي تخاطب الناس بفهم تقلل مقاومة الجمهور للتصحيح، أما المؤسسة التي توبّخ الجمهور فتدفعه للدفاع عن الشائعة بدل تركها.
القاعدة الثالثة هي تحويل الرد إلى خدمة. بدل أن تقول المؤسسة «غير صحيح»، تقول: ما الصحيح؟ ما الإجراء؟ ما المصدر الرسمي؟ ماذا نفعل إن واجهنا الحالة؟ ومن أين نحصل على تحديثات موثوقة؟ الرد الذي يُشبه دليلًا مختصرًا هو ما يقتل الشائعة فعليًا، لأنه يمنح المتلقي بديلًا مفيدًا يملأ الفراغ. وهنا يفيد أن تتبنى المؤسسات لغة بسيطة وأسئلة وأجوبة قصيرة، لأن الشائعة عادة قصيرة وسهلة التداول، بينما الردود الثقيلة لا تنتقل بنفس السرعة.
القاعدة الرابعة أن تُدار الرسائل عبر قنوات الناس نفسها. من يظن أن إصدار بيان في موقع رسمي يكفي، يتجاهل أن الشائعة لا تعيش هناك. الشائعة تعيش في المجموعات والرسائل الخاصة واللقطات المختصرة. لهذا تحتاج المؤسسات إلى أن تكون رسائلها قابلة لإعادة النشر: نص مختصر، تصميم واضح، رقم أو رابط موثوق، وأحيانًا فيديو قصير يشرح الفكرة بلغة هادئة.
القاعدة الخامسة، وهي الأهم، أن تتحول إدارة الشائعات إلى ثقافة لا إلى ردود فعل. المؤسسة التي تبني ثقة مستمرة لا تحتاج أن تُقاتل كل يوم بنفس الجهد، لأن الناس يصبح لديهم مرجع واضح. الثقة لا تُصنع وقت الأزمة فقط، بل تُصنع قبلها، حين يعرف الجمهور أين يذهب وأين يسأل وكيف يميّز.
في النهاية، الشائعة ليست خصمًا عابرًا، بل انعكاس لحاجة الناس إلى تفسير سريع في عالم مزدحم بالرسائل. والمؤسسات التي تفهم ذلك تدرك أن مهمتها ليست «إسكات الشائعة»، بل حماية المجتمع من أثرها. وبين الشائعة والحقيقة يقف فارق واحد: قدرة المؤسسة على أن تكون واضحة، سريعة، إنسانية، ومستمرة. وكما قيل قديمًا: «الكلمة أمانة»… وفي زمن الشائعات، تصبح الأمانة مسؤولية مشتركة، لكن على المؤسسات أن تقودها أولًا.