مرفت بخاري
نشأنا على قاعدة فكرية تبدو بديهية، لكنها في حقيقتها قاعدة انهزامية، أن الحياة لا تخرج عن كونها معادلة ربحٍ أو خسارة، وأن الإنسان إمّا فائز يُحتفى به، أو خاسر يُقصى بصمت.
بهذا التصور البسيط، تشكّل وعي أجيال كاملة، وتحوّل النجاح من معنى يُلهم إلى قيدٍ يُرهق.
لقد صنعنا لأنفسنا سجنًا مفتوحًا، سجنًا لا تُرى قضبانه، لكنه يتحكم في مصائرنا، نقيس فيه ذواتنا بميزان الإنجاز، ونجلد أرواحنا كلما تأخرنا عن سباق لم نختره أصلًا.
غير أن هذه الفلسفة، مهما بدت منطقية، تبقى ناقصة، لأنها تختزل الوجود الإنساني في لحظة دنيوية عابرة، وتغفل الحقيقة الأعمق أن للحياة غاية، لا منافسة ولا سباق ولا تحدي فلا خلود ولا حدود تقيس به عمرك.
في الإسلام، لا تُقاس القيمة بعدد الانتصارات، ولا يُعرَّف الفشل بتعثّر المسار، بل تُرسم الحدود بوضوح إمّا جنة، وإمّا نار، هناك فقط يصبح للفوز معنى، وهناك وحده يستقيم الميزان.
حين نعيد توجيه البوصلة نحو الغاية الكبرى، نخرج من وهم المقارنات، ونتحرر من سطوة التصنيفات، وندرك أن الرضى لا يُنال بما نملكه، بل بما نسعى إليه، فالجنة ليست وعدًا مؤجّلًا فحسب، بل فلسفة حياة تمنح الإنسان سلامه الداخلي، وتعيد تعريف النجاح على نحو أكثر عدلًا وإنسانية.
وتتضح هذه الصورة حين نتأمل آيات العفو والمغفرة، وكيف وهبنا الله نعمة التوبة، فجعل بابها مفتوحًا لا يُغلق، فالله يفرح بعودة عبده كلما رجع إلى طريق الحق والصواب، ومن هنا نعي أن الحياة في مفهومها الشامل، لا تقتصر على ثنائية الربح والخسارة فما تظنه يومًا هدفك الأسمى، قد تستيقظ ذات صباح لتجده جلادك، أو سبب تعاستك، أو حتى سبب تغيّر ملامحك.
فالسجن ليس فقط ذاك المكان الذي يُقال عنه للإصلاح والتهذيب، بل هناك سجن آخر بلا قضبان، سجّانه أقسى من الحديد الصلب، يكمن في كل عقدة صُنعت داخلنا، أو صُنعت لنا على يد من نحب، أو نهاب، أو من نمنحهم مساحة في حياتنا، ونضاعف قسوته كلما رضخنا، واستسلمنا لقيوده، وقبلنا حبسه الانفرادي.
تتجلى الحقيقة الأكثر قسوة أن الإنسان، في كثير من الأحيان هو العدو الأول لنفسه، لا لأن الحياة ضده، ولا لأن الطريق مغلق، بل لأنه كلما اقترب من السكينة، تراجع خطوة إلى الخلف، واختار المألوف المؤلم على المجهول المنقذ.
نرى أبواب السعادة مواربة، ونشعر بنداء الطمأنينة لكننا نغلقها بأيدينا، خضوعًا لمجتمع يفرض علينا قوالب لا تشبه أرواحنا، ولعادات توارثناها دون مساءلة، ولقيم بالية ما أنزل الله بها من سلطان، حوّلناها إلى قوانين مقدسة، وجلَدنا بها ذواتنا باسم القبول والانتماء، نستبدل الحرية بالرضوخ والوعي بالصمت، ونقنع أنفسنا أن الاستسلام حكمة، وأن الألم قدر لا فكاك منه، فنعيش أسرى خوفٍ لم يُفرض علينا، بل صنعناه، ورعيناه، ثم صدقناه.
وهكذا، لا يعود السجن خارجيًا، بل فكرةً تسكن العقل، وصوتًا داخليًا يُحاكمنا كلما فكرنا في الخروج عن الصف، فنعود إلى تعاستنا طواعية، لا لأننا لا نستحق الفرح، بل لأننا لم نجرؤ بعد على اختياره، وحين نفهم أن أعظم معركة يخوضها الإنسان ليست مع ظروفه، ولا مع الآخرين، بل مع تلك النسخة المطيعة داخله، التي تخاف التحرر أكثر مما تخاف العذاب، ندرك أن الخلاص يبدأ من هنا.
من لحظة الصدق مع الذات، ومن شجاعة كسر القيود التي لبست ثوب القيم، وخلطت بين الخضوع والتقوى، وبين الرضى والاستسلام.
فليس كل ما اعتدناه حقًا، ولا كل ما ورثناه مقدسًا، ولا كل ما رضي به الناس يصلح أن يكون طريقًا للحياة، والفوز الحقيقي كما علمتنا الغاية الكبرى، لا يتحقق إلا حين نختار الحق على الخوف، والوعي على القطيع، والجنة هدفًا.
لا تعاسة نُبررها باسم المجتمع..
كونوا بخير